السبت 17 يناير 2026 07:25 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. .أحمد يوسف علي يكتب : فذكر إن نفعت الذكرى.

د. أحمد يوسف على
د. أحمد يوسف على

تابعت عن غير قصد ما دار من نقاش حول قدسية التراث، وقدسية قارئيه. والتراث المعني بهذا الجدل والتنازع هو ما يعنيه كل طرف من التراث، والقدر الذي وهب نفسه لقراءته. كما راعني أن هؤلاء المعنيين بالتراث، جعلوه كيانا قائما بذاته عابرا للأزمان، وغير خاضع لشروط إنتاجه. والأخطر أن فريقا ممن يتقبلون هذا الفهم، وهذه القراءة، فرضوا سياجا قويا حول قارئيه، وحول منجزهم، وجعلوه فوق النقد، وفوق الواقع والتاريخ. وبذلك عدنا مرة أخرى لتقديس كل ما هو تراثي سواء أكان شخصيات أم منتجات فكرية علمية أو أدبية أو نقدية، أو شعرية. فعبدالقاهرالجرجاني مثلا في كتابيه(الأسرار والدلائل) في نظرهم عبقرية فذة.وتفسيره حكر عليهم، وعلى ظرف زمنه. وليس له صلة بظرف تلقيه في ضوء المناهج التفسيرية المعاصرة. وقل مثل هذا القول على نوابغ الشعراء في الزمن العربي الأول قبل الإسلام، وعلى أمثالهم في زمن ما بعد الإسلام. وهذا الموقف المغلق الذي يحتكر الحقيقة،ويرهن منجزات الأعلام في سجن الذات القارئة يدعونا إلى مناقشة مفاهيم التراث والأصالة والمعاصرة. وهي مفاهيم استقرت في أدبيات الفهم العلمي المعاصر،ومع ذلك نعيد تقديمها لعلهم يفقهون،أو نذكر إن نفعت الذكرى
فالتراث هو الموروث المادي والفكري الذي صنعه البشر عبر مراحل التاريخ عندنا وعند غيرنا من الأمم والمعاصرة علاقة تاريخية بالموروث المادي والفكري تنطلق من لحظة آنية هي التي تحركنا صوب الماضي وتفرض علينا اختياراتنا المناسبة من هذا الموروث. وما يبقى من هذا الموروث هو الذي يستمر ويتفاعل مع وقتنا الراهن واحتياجاته النفسية والاجتماعية والثقافية. فالتراث لا خيار لنا فيه لأنه من إنجاز غيرنا عبر فترات تاريخية سابقة، وكل خياراتنا المتاحة هي الانتقاء الذي يلبي حاجاتنا الاجتماعية من جهة والنفسية والثقافية من جهة أخري. فما يمتد من الماضي إلي الحاضر ليصنع المستقبل هو المشترك الإنساني أو" المتصل القومي" – فيما أرى - الذي يؤسس لتراث جديد مختلف عما سبقه بدرجات أكبر ومتفق معه بدرجات وهذه هي الإضافة الحقيقية.
فالتراث إذن إرث مادي وفكري. والمعاصرة اختيار وانتقاء من التراث تحكمه متطلبات جديدة. والعلاقة بينهما علاقة تواصل حلقات الزمن بمعناه الاجتماعي والتاريخي. فالماضي ليس لحظة فارغة، والحاضر ليس فرعا منه أيضا، ولكنهما متصلان بحكم احتياجات الإنسان وتطور درجة المعرفة، وتنامي الخبرات. فحرية الموقف من التراث هي مبدأ الاختيار، واستقلال التراث يعني انه من صنع غيرنا استجابة لضرورات وقتهم. ومساحة الاختلاف والاختيارتأتي في ضوء نسبية المعرفة وتطور حركة العلم والتاريخ. ومن ثم تصبح المعاصرة استجابة لضرورة الوقت أيضا كما أن التراث كان كذلك. وهذا يعني أن التراث والمعاصرة لا يتناقضان من حيث المكون الرئيس لكل منهما وهو العلم والفكر والفن والدين. ولكنهما يختلفان في الأسئلة المنشئة للإجابات . وقد تكون الأسئلة واحدة والإجابات مختلفة، أو قد تكون الأسئلة متباعدة في كل منهما. وفي هذا السياق يكون التراث والمعاصرة مفهومين متداخلين تفصل بينهما لحظة الآن المتحركة باستمرار. ولا تكتمل هذه الثنائية إلا بفقه الأصالة الذي يعد المفهوم النظري الثالث المتمم لقراءة التراث قراءة معاصرة.بما ينفع التراث نفسه، وينفع اللحظة الراهنة.
فالأصالة صفة لصيقة بالتراث كما هي لصيقة بالمعاصرة أيضا. فالتراث كان في زمن إنتاجه وتداوله معاصرا وأصيلا بالقياس إلى ما قبله، وكان في عداد المنجزات الكبرى. وإلا لماذا حورب أبو حنيفة وابن حنبل والطبري وغيرهم ولماذا قتل بشار واتهم أبونواس اتهامات تودي به إلى التهلكة، ولماذا أخرج الآمدي ومن شايعه أباتمام من جنة الشعراء إلى جحيم الفلسفة، ولماذا اضطهد الفكر الاعتزالي بعد زوال دولة المأمون؟
فالمعاصرة كانت صفة جوهرية لمرحلة زمنية قدمت منجزات كبرى ذات أصالة، وصفناها بالتراثية حين انتقلت إلينا وتداولناها في زمننا الحاضر. معنى هذا أن كل منتج مشروط بظروف انتاجه وملابساته فهو معاصر من جهة وأصيل من جهة أخرى. ولعل التمثيل يوضح مفهوم الأصالة. فنستدعى قول الله عز وجل" ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها"(إبراهيم24-25) والتمثيل -وهو ضرب المثل -هنا للتوضيح والشرح. يقول محمد شحرور " إذا قلنا إن اللسان العربي لسان أصيل، فهذا يعني أنه لسان له جذور غارقة في القدم. وهذا هو العنصر الأول. وأنه مازال حيا مثمرا إلى يومنا هذا، وهذا هو العنصر الثاني." إذن فالأصالة لا تعني القدم فقط ولكنها تعني الدوام والبقاء والامتداد عبر الزمن:" فجذر الشجرة وأغصانها هما العنصران المتتامان: الجذور تضرب في الأرض والأغصان تعطي الثمار" فالفعل الإنساني له وجهان: وجه يبقى ووجه يزول . وهذا المعيار الذي يحكم الفعل الإنساني يحكم رؤيتنا للتراث وما يتصف به من صفات، كما يحكم قراءاتنا المتعددة له أيضا. على أية حال، فإن الأصالة لا تكتمل إلا باتصالها بالقديم الأصيل، وقدرتها على الاستمرار والوفاء بمتطلبات الواقع الجديد.
ولو أردنا أن نربط بين المفاهيم الثلاثة: التراث. المعاصرة. الأصالة، لوجدنا أن الرابط بينها هو القدرة على تجاوز الزمن، والاستجابة للأسئلة الجديدة في زمن مختلف، والعطاء المتجدد. وهذا يعني النسبية، والحركة، والمرونة، وهي مجموعة الصفات المميزة للتطور. فقراءتنا لتراثنا ينبغي أن تحكمهاهذه المفاهيم الثلاثة، فهي مستجيبة لواقع مختلف، وناشئة من نظرية معرفية جديدة، ومتصلة بعطاء العلم والفكر عند الأمم الأخرى.
فكما يقول محمد شحرور " إذا أردنا أن نكون أصلاء في المعرفة، فعلينا أن نستفيد من كل تراكمات المعرفة التي أنتجها الإنسان، ومن ضمنها التراث في كل العلوم (الجذور) وهي العنصر الأول للأصالة بحيث نحقق قفزة نوعية (الثمار) وهي العنصر الثاني للأصالة. وهذا ما نسميه بالحضارة الحية. فالحضارة الحية ، لها جذور وتعطي ثمارا ينتفع بها الناس، ليس في موسم واحد فقط، بل في مواسم متتابعة" وإذا كانت هذه المفاهيم الثلاثة مفاهيم تاريخية وآنية في الوقت نفسه، فهي مفاهيم ذات دلالة كاشفة لحال ما نسميه " الحضارة العربية الإسلامية" التي صارت بمنجزها التاريخي حضارة ذات جذور توقفت عن إنتاج" الثمار" بمعنى أن العودة التاريخية لهذه الجذور، صارت عودة غير ذات معنى ، وغير مسعفة لأهلها في مواجهة تحديات الحضارة المعاصرة، وبذلك صرنا أمام أمرين هما: إما أن نسلم بموت هذه الجذور، أو أن نعيد قراءة مصادرها في ضوء العلم المعاصر لا كتشاف الأجنة الحية ووصلها بمهاد جديدة تنطلق منها وتعانق أشواق الحياة.
هذا المشكل الحضاري، ليس مشكلا تاريخيا فقط، بل هو أيضا مشكل علمي وفكري وثقافي وفني بما يتيح لنا أن نطلق عليه وصف" المشكل الحضاري" الذي يعني أن أمة هي الأمة العربية والإسلامية، هي إحدى الأمم الحية في هذا الزمن، تقف بجوار أمم أخرى أوفر نشاطا وحيوية وإنتاجا ومشاركة في حضارة العلم والفكر والفن المعاصرين، ولا يمكن استمرار بقاء هذه الامة إلا بالمشاركة، وليس الاستهلاك، في حضارة زمنها. ولن يتسنى لها ذلك إلا ببعث الأصيل، وتأصيل الجديد.
وأخيرا ينبغي أن نوضح الفرق بين الأصالة والسلفية من حيث إن كلا منهما عودة إلى الأصل. لكن السلفي يقف عند النموذج الذي تبلور في زمن مضى لا يتخطاه ويتخذ منه مثالا في الفهم والفعل وتفسير التاريخ، فهو مقلد "ولهذا السبب وقع في فراغ فكري وصل إلى حد السذاجة. فقد ترك القرن العشرين عمدا ليعجز في الوقت نفسه عن أن يعيش القرون الألى كما عاشها أهلها. فوقع في شرك الغراب الذي أراد أن يقلد صوت البلبل فلم يستطع، ثم أراد أن يرجع غرابا فنسي. فالسلفية هروب مقنع من مواجهة تحديات الزمن الذي نعيشه، والمستقبل الذي نأمله. ومن يقرأون تراثنا الفكري والعلمي عليهم أن يقولوا لماذا هذه القراءة؟ ولماذا يعودون إلى زمن مضى ليقرأوه؟ إن قراءتهم لما بين أيديهم من التراث قراءة سقيمة لأنها قطعت صلة المقروء عن سياقات العلم في زمنه كما قطعوا هم صلتهم بسياقات العلم في زمننا. فعبدالقاهر الجرجاني مثلا هو وريث الفهم الاعتزالي، ووريث نظرية المحاكاة الأرسطية، كما أنه وريث الثقافة العربية بنصيها المعروفين:الشعر والقرآن. فإذا كانت قراءته عند هؤلاء قد عزلته عن ميراثه، وإذا كانوا هم قد عزلوا أنفسهم عن مناهج العلم المعاصر ونظريات القراءة، فما جدوى ما يفعلون؟

د أحمد يوسف علي فذكر إن نفعت الذكرى الجارديان المصرية .