الأحد 15 فبراير 2026 06:53 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : حتي يضيق الناس بنورك

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

ستُكْرَهُ دونَ سببٍ واضح، وتُدانُ بلا جُرمٍ مُثبت، ويُقالُ عنك ما لم تفعل، وتُنسَجُ حول اسمك حكاياتٌ لم تعشها، ولا تعرف كيف وُلدت، ولا من أيِّ فراغٍ خرجت. ستسمع عن نفسك ما يجعلك تتوقف لحظة لتسأل: أهذا أنا حقًّا؟ أهذه سيرتي أم سيرة شخصٍ آخر يحمل اسمي؟ ستجد المعروف يُقابَل بالجحود، والخير يُقابَل بالتجاهل، والنية الصافية تُؤوَّل بسوء الظن، حتى إذا آثرت السلامة، واخترت العيش في حالك، وأغلقت بابك على نفسك، لم تسلم من لسانٍ طائش، ولا من قلبٍ مريض، ولا من عينٍ لا ترى إلا ما تريد أن تراه.
ذلك لأن الناس – إلا من رحم ربك – لا يحاكمونك بحقيقتك، بل بصورتهم عنك، ولا يقرؤون نيتك، بل يقرأون نقصهم في مرآتك. من ضاق بنفسه، ضاق بالآخرين، ومن عجز عن إصلاح داخله، راح يهدم خارجه، ومن لم يحتمل نجاحك، اختلق لرؤيتك سقوطًا، ومن أوجعه نورك، حاول أن يطفئه بالكلام. وهنا تكمن الفتنة الكبرى: أن تظن أن تبريرك سيُنقذك، أو أن دفاعك سيُقنع، أو أن صدقك وحده كافٍ ليخرس الألسنة. والحقيقة المُرّة أن بعض القلوب لا تريد الحقيقة، لأنها لو عرفتها لاضطرت أن تواجه نفسها، وذلك أثقل عليها من أن تشوّهك.
ليس كل ما يُقال يُردّ عليه، ولا كل ظُلمٍ يُرفع بالصوت، ولا كل افتراءٍ يُمحى بالشرح. أحيانًا يكون الصمت حكمة، وأحيانًا يكون التجاهل نجاة، وأحيانًا يكون التسليم لله هو أعلى درجات القوة. فهؤلاء الذين يلوكُون اسمك بأفواههم، لا يملكون رزقك، ولا يتحكمون في قدرك، ولا بيدهم نفعك ولا ضرك. قلوبهم بيد الله، وألسنتهم بيد الله، ومآلات الأمور كلها بيد الله، فلا تجعلهم أكبر من حجمهم، ولا تمنحهم من روحك ما لا يستحقون.
تذكّر دائمًا أن الله يرى، وإن سكت الناس، ويعلم، وإن جهلوا، ويُنصف، وإن طال الظلم. وأن نيتك، مهما أُسيء فهمها، محفوظة في علمه، وأن عملك، مهما أُنكر، مكتوب في ميزانه، وأن صبرك، مهما استُضعف، مُدَّخر لك في وقتٍ أنت أحوج ما تكون إليه. ما دام قلبك نظيفًا، ونيتك خيرًا، وسريرتك مستقيمة، فاطمئن؛ لأن الله لا يُضيع عباده الصادقين، ولا يخذل من فوّض أمره إليه.
قد يخذلك البشر، وقد يتنكر القريب قبل الغريب، وقد تُفاجأ بأن من أحسنت إليهم كانوا أول من أساء الظن بك، لكن العزاء كله في أن الله إذا تولّى أمرك أغناك عنهم، وإذا دافع عنك أسكتهم، وإذا فتح لك بابًا أغلق كل بابٍ سواه. الكرامة ليست في أن تُرضي الناس، بل في أن ترضي رب الناس، والراحة ليست في تبييض صورتك عند الخلق، بل في سلامك الداخلي وأنت تعلم أنك لم تخن نفسك، ولم تظلم أحدًا، ولم تبع مبادئك بثمنٍ رخيص.
سلِّم أمورك لله، لا هروبًا، بل ثقة، ولا ضعفًا، بل يقينًا. امضِ في طريقك ثابتًا، لا تلتفت كثيرًا للخلف، ولا تُكثر الالتفات للضجيج. فالسائرون حقًّا لا يُسمَع لهم صوت، وإنما يُرى لهم أثر، والله لا يخذل من أحسن الظن به، ولا يُخيب من جعل قلبه معلقًا به. وطالما نيتك خير، فانتظر الخير، وإن تأخر، لأنه حين يأتي، يأتي كاملًا، عادلًا، مُرضيًا، ويُغنيك عن كل من أساء، وكل من شكّك، وكل من حاول أن يكسرك بالكلام.

سماح عزام حتي يضيق الناس بنورك الجارديان المصرية