عصام بيومي يكتب من كندا: الخليج بين نارين.. حسابات دقيقة لحرب لا أصدقاء فيها!
لاشك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان به. ولا شك أيضا أن الكيان الصهيوني بكل أذرعه الإرهابية لا يقل خطرًا عن إيران. وهو خطر انعكس في تصريحات أبواق صهيونية مثل المدعو إدي كوهين الذي تطاول على دول خليجية (قطر والسعودية) حتى قبل أن تضع الحرب أوزارها. هذا وضع يجعل الخليج بين نارين ويفرض عليه اتخاذ حسابات دقيقة إزاء حرب لا يبدو أن لنا أصدقاء حقيقيين فيها.
في الحروب الكبرى قد لا تكون المشكلة دائماً في وجود الأعداء ولكن في اختيار الحلفاء. والمشكلة الأكبر أن تجد نفسك بين خصمين كلاهما خطر عليك. هذا بالضبط هو المأزق الذي تواجهه دول الخليج اليوم في الحرب بين أمريكا-إسرائيل، وإيران. فهذه الحرب، رغم أنها تبدو للوهلة الأولى مواجهة ثنائية، إلا أنها في الحقيقة صراع متعدد الطبقات، تتداخل فيه حسابات قوى كبرى مثل روسيا والصين، وتجد فيه دول الخليج نفسها في موقع الجغرافيا الخطرة والسياسة الدقيقة. والمفارقة أن هذه الحرب، رغم أنها لا تُخاض، رسميا، باسم الخليج، تدور عملياً على أرضه ومياهه وممراته الحيوية.
فموقع الخليج يجعله جغرافيًا منطقة لا تستطيع الوقوف على الحياد. نظريًا، تحاول دول الخليج تبني موقف الحذر وضبط النفس، عبر الدعوة لخفض التصعيد وعدم تحويل المنطقة لساحة حرب. لكن الواقع الجيوسياسي يجعل الحياد الكامل شبه مستحيل. لقد حاولت دول الخليج طويلا أن تحافظ على علاقات طيبة مع كلا الطرفين وفق قواعد حسن الجوار وشروط العلاقات الدولية المعتبرة. ورغم ذلك تجد دول الخليج أنها الأكثر عرضة لارتدادات الحرب رغم أنها ليست طرفاً فيها، وسط معادلة بالغة التعقيد ليس فيها صديق واضح صريح ولا عدو واضح صريح.
فالولايات المتحدة مثلا، رغم كونها الحليف الأمني التقليدي لدول الخليج، تبقى قوة عظمى تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية، وليس وفق حسابات الأمن الإقليمي فقط. وقد أثبتت التجارب السابقة أن واشنطن قد تدفع نحو تصعيد عسكري دون أن تهتم بكلفته ونتائجه الفعلية على دول المنطقة. في المقابل، تمثل إيران تهديداً مباشراً للأمن الخليجي بسبب تاريخ طويل من التوترات الإقليمية، إضافة إلى امتلاكها أدوات ضغط قوية مثل الصواريخ الباليستية ووكلائها الإقليميين، لكنها تشدد دائما أنها لا تستهدف الخليج. هنا تكمن المفارفة والمعضلة الكبرى أمام دول الخليج. فالانحياز الكامل لأي طرف يحمل مخاطر استراتيجية، بينما الحياد الكامل قد لا يكون خياراً واقعياً، خاصة في ظل وجود أطراف أخرى إقليمية ودولية تتابع وتترقب، بل وربما تشارك بشكل غير مباشر في الحرب.
الصورة تصبح أكثر تعقيداً إذا نظرنا إلى الدور غير المباشر للقوى الكبرى الأخرى، خصوصاً روسيا والصين، ومن خلفهما كوريا الشمالية. وقد أشارت واشنطن بوست، وول ستريت جورنال، ومصادر أخرى، إلى أن روسيا تساعد إيران استخباريا على تحديد مواقع القوات الأمريكية وخاصة البحرية في المنطقة، وأن هناك خبراء صينيين على الأراضي الإيرانية يساعدون في تجريب وإطلاق صواريخ متطورة، وذلك انطلاقا من تقدير استراتيجي بأن إيران هي خط الدفاع الفعلي عن موسكو وبكين.
هنا نجد أن كلا من موسكو وبكين تعارضان الضربات الأمريكية والإسرائيلية سياسياً، وتدعوان إلى وقف التصعيد علنا، لكنهما في الوقت نفسه تتجنبان الدخول المباشر في الحرب. هذه المواقف لا تعتبر حياداً بقدر ما هي استراتيجية محسوبة تتمثل في ترك الحرب تستنزف الخصوم الغربيين دون التورط المباشر فيها، مع الحفاظ على علاقات مفتوحة مع مختلف الأطراف. هكذا لا يواجه الخليج فقط معادلة إيران-أمريكا- إسرائيل، بل يواجه لعبة توازنات عالمية أكبر، حيث تتحول المنطقة إلى مسرح لتنافس القوى الكبرى. هذا يهدد بصراع عالمي أو بالأدق إلى حرب عالمية ثالثة، تم التنبؤ بها طويلا. وعندما تتحول منطقة الخليج إلى ساحة حرب، لن تكون المشكلة الأكبر فقط في الأعمال العسكرية. فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالجيوش فقط، بل عبر الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية. وهذه الثلاثة هي عصب حياة الخليج. وهذا يعني أن على الخليج أن يجري حسابات دقيقة قد لا تحتمل الخطأ بأي قدر كان، لأن أي توسع للحرب قد يحول المنطقة إلى بؤرة دوامة اقتصادية عالمية.
يجب هنا ألا ننسى أن الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل، بل هي جزء من التحولات الكبرى في النظام الدولي الأوسع التي أشرت لها سابقا، وملخصها (نظام دولي آخذ في الأفول ونظام آخر لم يكتمل بعد). فالصين وروسيا وإسرائيل قوى ترغب في أن تأخذ موقعا متقدما أكثر في قيادة العالم في مواجهة القوة المهيمنة المتراجعة أخلاقيا واقتصاديا. وفي قلب هذا الصراع تجد دول الخليج نفسها بين مطرقة المتنافسين وسندان الجغرافيا. فهي جغرافياً في خط النار، وسياسياً بين قوى كبرى لا يمكن الوثوق الكامل بأي منها.
وفي ضوء هذا المشهد المعقد، يجدر بدول الخليح بناء استراتيجية تشمل محاور أهمها، تجنب الانخراط العسكري المباشر. والحفاظ على التحالف الأمني مع واشنطن دون التحول إلى طرف في الحرب. والإبقاء على قنوات التواصل مع القوى الكبرى الأخرى، خاصة في ضوء تأكيد طهران المتكرر على أنها لا تتعمد استهداف مقدرات الخليج. ولو أن الأمور بالتمني لقلنا ليتنا نترك الأبواب مفتوحة، ونعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ال28 من فبراير. عندما كان الخطر الإيراني مكبوحا والخطر الصهيوني مغلولا، قدر الكفاية.












كشف ملابسات فيديو التعدي على سيدة في المنيا ويضبط المتهمين
سقوط منتحل صفة ضابط شرطة في الغربية
تأجيل استئناف المتهم بقتل مالك قهوة أسوان على حكم إعدامه لجلسة 11...
كشف لغز العثور على جثمان رضيع بالمرج
هل يؤثر إرتفاع البنزين على أسعار السلع؟
أسعار البنزين والسولار والغاز الطبيعي في مصر اليوم الإثنين 9 مارس 2026
سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الأربعاء 4 مارس 2026
أسعار الذهب اليوم الأربعاء 4 مارس 2026