الإثنين 4 مايو 2026 02:18 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب : العرب وايران – ميزانية المليارات مقابل ميزانية الابحاث

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

على مدار سبعة واربعين عاما لم تكن العقوبات المفروضة على ايران مجرد قيود اقتصادية بل كانت جراحة قسرية لإعادة صياغة مفهوم الدولة وبينما كان العالم ينتظر سقوطها تحت وطأة العزلة , كانت هناك ارقام تبنى فى صمت , تضعنا أمام تساؤل مؤلم لماذا نجح من حوصر وأخفق من أنعم عليه ؟
لا يتحدث التاريخ عن النوايا بل عن النتائج فى عام 1996 كانت ايران تحتل المرتبة 52 عالميا فى النشر العلمى , اليوم وبحسب مؤسسة " سيماغو" الدولية تقف فى المرتبة 15 , لم تكن هذه القفزة صدفة بل كانت قرارا سياسيا واعيا بتحويل الجامعات من مصانع للشهادات الورقية إلى قلاع للبحث العلمى التطبيقى
إن تجاوز إنتاج إيران فى أبحاث الناتو تكنولوجى "لإنتاج تركيا ومصر والسعودية مجتمعة ووصولها للمرتبة الرابعة عالميا فى الخلايا الجذعية , يثبت أن العلم ليس ترفا اكاديميا بل هو خط الدفاع الاول عن السيادة فعندما تغلق الابواب أمام استيراد التقنية لا يبقى أمام الدولة إلاأن"تخترع" بقاءها
المفارقة الكبرى تكمن فى مفهوم الاكتفاء بلد محاصر استطاع تأمين 98% من حاجته الدوائية وتصديرها لـ 50 دولة وحقق 90% من الاكتفاء الذاتى فى القمح هذه ليست مجرد أرقام اقتصادية بل هى "صناعة قرار حر" فالانسان الذى لا يملك رغيفة ودواءه لا يملك قراره بالضرورة قراره السياسى
وعلى الجانب الاخر نجد المشهد العربى الواسع ناتج قومى يتجاوز 3,5 تريليون دولار وثروات هائلة لكن المحصلة التنموية غارقة فى " النمو الاستهلاكى" نجد استثمارات بمليارات الدولارات تتدفق نحو قطاعات الرفاهية صفقات كروية خيالية وناطحات سحاب تلامس السحاب ومنتجعات سياحية عالمية هى استثمارات مظهرية التى تمنح شعورا مؤقتا بالتقدم لكنها لاتبنى فاعدة صناعية تحمى الدولة فى وقت الازمات .
المؤلم فى المشهد هو ان الدولة التى لا تجد سيولة نقدية كافية (بسبب العقوبات) استطاعت اطلاق 13 قمرا صناعيا بأيد محلية لتنضم لنادى الفضاء العالمى كعضو تاسع بينما فى عالمنا العربى الغنى مازلنا فى كثير من الاحيان نستورد "ابرة الحقنة" بترخيص اجنبى ونستورد 90% من سلاحنا و60% من غذائنا
الاشكالية ليست فى نقص المال العربى بل فى بوصلة الانفاق إن ميزانية ناد أوروبى واحد يملكه العرب كفيلة بإنشاء عشرات المراكز البحثية التى تضعنا على خارطة المستقبل
نحن بحاحة الى ثورة فى المفاهيم ندرك من خلالها أن ناطحة السحاب التى لا يحميها سلاح محلى ولا يغذى سكانها قمح محلى ولا يعالح مرضى سكانها دواء محلى هى مجرد هيكل اسمنتى هش امام عواصف التاريخ المتغيرة
ان التاريخ لا يحترم المستهلكين مهما بلغت ثرواتهم بل يحترم المنتجين مهما بلغت ضائقتهم فهل نتعلم الدرس ونحول بوصلة الاستثمار من "تزيين الواقع" الى "صناعة القوة" قبل ان تفرض علينا الايام جراحات قسرية لم نعد العدة لها..

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة العرب وايران – ميزانية المليارات مقابل ميزانية الأبحاث الجارديان المصريه