الأحد 10 مايو 2026 07:59 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد خلف حسن المحامي بالنقض يكتب : القيد القضائي على رقابة التصحيح..قراءة في حكم دائرة توحيد المبادئ

محمد خلف حسن المحامي بالنقض
محمد خلف حسن المحامي بالنقض

أرست دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا مبدأً مفاده أن عملية تصحيح أوراق الإجابة وتقدير الدرجات هي من المسائل الفنية التي تستقل بها جهة الإدارة ولا يجوز للقضاء مراجعتها أو ندب لجان فنية لإعادة تقييمها ورغم أن ظاهر الحكم يبتغي استقرار المراكز القانونية إلا أن باطنه يثير إشكاليات دستورية وقانونية تستوجب المراجعة
أولاً: الجانب الدستوري (المصادمة مع حق التقاضي)
إن تحصين عملية التصحيح من الرقابة القضائية الموضوعية يمثل حظرا مقنعا لأعمال الإدارة من رقابة القضاء وهو ما قد يصطدم بالمادة (97) من الدستور المصري التي تنص على أن "التقاضي حق مصون ومكفول للكافة... ويحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء"
نرى : عندما يقتصر دور القاضي على مراقبة "الجمع المادي" للدرجات فقط فإنه بذلك يتخلى عن جوهر وظيفته في بسط رقابة المشروعية على "ركن السبب" في القرار الإداري (وهو إجابة الطالب واستحقاقه للدرجة)
ثانياً: الجانب القانوني (خلط الفني بالمشروع)
وقع الحكم في فخ الخلط بين "السلطة التقديرية" و"الالتزام بالضوابط"
نرى: إذا وضعت الإدارة "نموذج إجابة" هذا النموذج يصبح هو "القانون الخاص" لعملية التصحيح فإذا خالف المصحح هذا النموذج فإننا لا نكون بصدد "وجهة نظر فنية" بل بصدد "مخالفة قانونية" تستوجب الإلغاء إن امتناع المحكمة عن ندب خبير للتأكد من مطابقة الورقة للنموذج يعد إخلالاً بواجبها في تحقيق الواقع
ثالثاً: الجانب الواقعي (تحدي التحول الرقمي)
صدرت المبادئ القضائية القديمة في ظل "الاختبارات المقالية" التي تحتمل وجهات نظر متعددة
نرى : في عصر التصحيح الإلكتروني أصبحت العملية آلية بامتياز الخطأ هنا قد يكون في "مفتاح التصحيح" أو "برمجة الماسح الضوئي" التمسك بمبدأ "عدم جواز الرقابة الفنية" في ظل نظام آلي هو تمسك بجمود قانوني لا يواكب التطور التقني حيث أن الخطأ التقني هنا هو "خطأ مادي" في ثوب "فني"
رابعاً: الجانب الفلسفي (ميزان العدالة و استقرار المراكز)
سطرت المحكمة حكمها على الرغبة في "استقرار النتائج" ومنع تكدس القضايا
نرى: لا يجوز أن يكون "الاستقرار" ثمنه "العدل" إن إهدار مستقبل طالب بسبب خطأ مصحح تحت ذريعة "عدم جواز مراجعة الفنيات" يزعزع ثقة المواطن في مرفق القضاء الإداري وهو ضرر أفدح بكثير من ضرر زيادة عدد القضايا
اقترح للخروج من هذا المأزق على القضاء الإداري تبني الآتي:
التوسع في مفهوم الخطأ المادي ليشمل عدم مطابقة الإجابة لنموذج الإجابة الرسمي واعتبار ذلك خطأ في الواقع وليس تقديراً فنياً
تفعيل رقابة الانحراف بالسلطة في حالات الدرجات التي تنطوي على مفارقة صارخة (مثل طالب متفوق في كل المواد ويرسب في واحدة ) و هذا حدث مما يستوجب فحص الورقة لبيان شبهة الكيد أو الإهمال الجسيم
و الخلاصـــــــــــــــــــة
إن حكم دائرة توحيد المبادئ رغم نبل مقصده في حماية استقرار العملية التعليمية إلا أنه أقام سياجاً يحول دون وصول الحق لأصحابه في كثير من الحالات إن القضاء الإداري هو قضاء "مشروعية" و "إنصاف" ولا ينبغي لـ "الفنية" أن تذبح "العدالة" على مقصلة التحصين

محمد خلف حسن القيد القضائي على رقابة التصحيح..قراءة في حكم دائرة توحيد المبادئ الجارديان المصريه