الأحد 10 مايو 2026 11:13 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : التغذية المدرسية...ميزانية دولة.. ووجبات لا تصل

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

حين يتحول رغيف الصغير إلى وليمة كبرى على مائد الفساد. عن "المليارات التائهة" بين بريق التقارير الرسمية وعتمة الحقائب الخالية.
• صرخة ضد اغتيال الانتماء في أمعاء أطفالنا الخاوية.
في بلادٍ يُفترض أن الأطفال فيها هم المعنى الحقيقي للمستقبل، يجلس آلاف التلاميذ داخل الفصول بعيونٍ نصف مطفأة، لا بسبب صعوبة المناهج، ولا بسبب قسوة الدراسة، بل لأن بطونهم فارغة، ولأن الوجبة التي خرجت لها ميزانيات بالمليارات ضاعت في الطريق قبل أن تصل إلى أفواههم الصغيرة. مشهد طفلٍ يفتح حقيبته المدرسية فلا يجد إلا كراسة ممزقة وقلمًا بالكاد يكتب، ثم ينظر ناحية باب الفصل منتظرًا وجبة قد تأتي أو لا تأتي، ليس مشهدًا عابرًا في دولة كبيرة ، بل وثيقة اتهام أخلاقية ضد كل يدٍ امتدت إلى حق الصغار، وضد كل مسؤولٍ شاهد التناقض بين الأرقام المعلنة والحقيقة الصارخة داخل المدارس ثم اختار الصمت. ستة مليارات ومئات الملايين تُذكر في التصريحات كأنها إنجاز تاريخي، بينما الحقيقة على الأرض تقول إن مدارس كاملة لا ترى التغذية إلا أيامًا معدودة، وإن أطفالًا أصبحوا يعرفون جيدًا أن كلمة “التغذية” ليست نظامًا ثابتًا بل ضيفًا متقلب المزاج، يأتي مرة ويختفي عشر مرات، وإن وجبة يفترض أنها حق يومي تحولت إلى حدثٍ موسمي يُعامل كأنه منحة استثنائية لا حق أصيل. أي وطن هذا الذي يستطيع أن يشرح بالأرقام تكلفة التغذية، لكنه يعجز عن شرح اختفائها؟ وأي منظومة تلك التي تمتلك القدرة على طباعة التقارير اللامعة والصور الرسمية والبيانات الملساء، لكنها لا تمتلك القدرة على إيصال باكو بسكوت وعلبة عصير إلى طفل في مدرسة حكومية؟ إن القضية لم تعد قضية “وجبة مدرسية”، بل قضية ضمير دولة بأكملها، لأن الذي يمس غذاء الأطفال لا يسرق طعامًا فقط، بل يسرق الثقة، والكرامة، والانتماء، ويزرع في روح الطفل مبكرًا فكرة مرعبة تقول له إن حقوق الفقراء يمكن أن تتبخر بلا حساب.
الفاسد الحقيقي ليس فقط من يوقع ورقة مزورة أو يمرر فاتورة مضخمة أو يشارك في لعبة التوريدات الملوثة، بل أيضًا ذلك الذي يرى الجريمة مستمرة ويعتبرها جزءًا طبيعيًا من المشهد، والذي اعتاد سماع شكاوى المدارس وأولياء الأمور ثم يكتفي بهزة رأس باردة وكأن الأطفال يتحدثون عن رفاهية زائدة لا عن حق إنساني أساسي.
في كل مدرسة تقريبًا توجد الحكاية نفسها؛ مدير يحاول امتصاص غضب أولياء الأمور، معلم يشعر بالخجل أمام تلاميذه، أم ترسل طفلها كل صباح بأملٍ صغير في أن يعود وقد أكل شيئًا يسنده، ثم يمر اليوم بلا وجبة، فيعود الطفل جائعًا أكثر مما ذهب، بينما تُكتب في مكانٍ آخر أرقام تؤكد أن كل شيء يسير “وفق الخطة”. أي خطة هذه التي تجعل الجوع منتظمًا أكثر من التغذية؟ وأي نجاح هذا الذي يجعل التلميذ الفقير آخر من يستفيد من الأموال المخصصة باسمه؟ إن أكثر ما يوجع في هذه القضية ليس الجوع وحده، بل الإهانة الصامتة التي يتعرض لها الأطفال يوميًا. الطفل لا يفهم معنى الفساد الإداري ولا يعرف شيئًا عن المناقصات والعقود واللجان، لكنه يفهم جيدًا معنى أن يسمع عن مليارات ثم لا يجد في يده سوى الفراغ. يفهم أن هناك كذبًا كبيرًا يدور فوق رأسه، وأن أحدًا ما في هذا الطريق الطويل بين خزائن الدولة وفمه الصغير قد ابتلع نصيبه بالكامل. وهنا تولد الكارثة الحقيقية؛ حين يبدأ المواطن منذ طفولته في فقدان احترامه للكلام الرسمي، وحين يكتشف مبكرًا أن الواقع شيء، وما يقال في المنصات شيء آخر تمامًا.
إن الدول المحترمة تُقاس بطريقة تعاملها مع أضعف مواطنيها، ولا يوجد أضعف من طفل داخل مدرسة حكومية ينتظر وجبته. هذا الطفل ليس رقمًا في كشف حضور، ولا صورة تُستخدم في حملة دعائية، بل روح بشرية كاملة، لها حق الغذاء والرعاية والكرامة. وكل جنيه خُصص له ثم ضاع أو سُرق أو تبدد بالإهمال هو طعنة مباشرة في قلب الوطن نفسه، لأن الأوطان لا تُبنى بالكلام عن التنمية بينما الأطفال يأكلون الجوع على المقاعد الخشبية.والمخيف أن المجتمع بدأ يعتاد الكارثة. أصبح اختفاء التغذية خبرًا عاديًا، وأصبح التناقض بين الميزانيات الضخمة والخدمة الهزيلة مشهدًا مألوفًا لا يثير الصدمة الكافية، وكأن الناس أرهقهم الفساد حتى فقدوا قدرتهم على الدهشة. لكن الحقيقة أن الجريمة التي تمس الطفل لا يجوز أن تصبح عادية أبدًا، لأن الأمم التي تفقد حساسيتها تجاه معاناة صغارها تدخل ببطء مرحلة التعفن الأخلاقي مهما امتلكت من شعارات براقة ومشروعات ضخمة. إن المطلوب الآن ليس بيانًا إعلاميًا جديدًا، ولا تصريحات غاضبة لبضعة أيام، بل فتحًا حقيقيًا لكل الملفات المتعلقة بالتغذية المدرسية؛ أين تذهب الأموال؟ كم يومًا وصلت الوجبات فعلًا؟ ما حجم الفارق بين ما يُصرف على الورق وما يدخل المدارس بالفعل؟ من يراقب؟ من يحاسب؟ ومن يجرؤ على مواجهة شبكة الصمت الطويلة التي تحيط بهذا الملف منذ سنوات؟ لأن القضية ببساطة لم تعد قضية ميزانية، بل قضية شعب يريد أن يعرف لماذا يجوع أطفاله بينما الأرقام تقول إنهم يأكلون.
سيكبر هؤلاء الأطفال يومًا، وسيعرفون كل شيء. سيعرفون من كان يسرق باسمهم، ومن كان يصمت، ومن كان يحاول أن يقول الحقيقة. وسيكتشف الوطن متأخرًا أن أخطر أنواع السرقة ليست سرقة المال، بل سرقة ثقة جيل كامل في العدالة والرحمة والصدق. وعندها لن يكون السؤال: أين ذهبت الوجبات المدرسية؟ بل: كيف سمح مجتمع كامل بأن يتحول طعام أطفاله إلى مائدة مفتوحة للفاسدين؟

سماح عزام التغذية المدرسية...ميزانية دولة.. ووجبات لا تصل الجارديان المصريه