د .هاني المصري يكتب: العمل العام بين قدسية العطاء وخطورة التأرجح
في ظل اوقات عصيبة أصبحت فيه المصالح السريعة هي العنوان الأبرز لكثير من العلاقات الإنسانية، يبقى العمل العام والتطوعي واحدًا من أنبل الميادين التي تكشف معدن الإنسان الحقيقي، لأن المتطوع لا يتحرك بدافع الربح، ولا يقف في الصفوف الأولى انتظارًا لمكسب شخصي، بل يتحرك بدافع الإيمان بالفكرة، والانتماء للقضية، والرغبة الصادقة في صناعة أثر يبقى حتى بعد غياب الأسماء والوجوه.
فالعمل التطوعي ليس نشاطًا عابرًا يُمارس في أوقات الفراغ، وليس مجرد صورة تُلتقط أو لقب يُضاف، بل هو رسالة أخلاقية ووطنية وإنسانية عظيمة، تقوم على التضحية والانضباط وتحمل المسؤولية. والمتطوع الحقيقي يدرك أن قيمة العطاء لا تُقاس بحجم الظهور، وإنما بحجم التأثير الذي يتركه في حياة الناس وفي استقرار المؤسسات التي ينتمي إليها.
ومن هنا تأتي قدسية العمل العام؛ لأنه يقوم على الثقة قبل أي شيء. فكل مؤسسة أو كيان ناجح لا يُبنى بالأموال وحدها، وإنما يُبنى برجال ونساء آمنوا بالفكرة فحملوها بإخلاص وثبات، وصبروا على التحديات، وتحملوا الضغوط، ووقفوا وقت الشدة قبل أوقات النجاح. لذلك فإن الانتماء الحقيقي لا يظهر في لحظات التصفيق، بل يظهر حين تتعثر الطرق، وحين تصبح التضحية ضرورة لا رفاهية.
غير أن أخطر ما يواجه العمل التطوعي اليوم هو حالة “التأرجح” المستمر بين الكيانات والمؤسسات، حيث يتحول بعض الأفراد إلى باحثين دائمين عن الواجهة الأسرع أو المكسب الأقرب أو المكان الذي يمنحهم حضورًا أكبر، دون إدراك أن كثرة التنقل تُفقد الإنسان قيمته المعنوية قبل التنظيمية. فالمتطوع الذي لا يستقر على مبدأ، ولا يثبت على انتماء، يصبح مع الوقت فاقدًا للثقة، لأن المؤسسات تُبنى بالثبات لا بالتنقل، وبالإخلاص لا بالمصالح المؤقتة.
إن الانتقال المستمر بين الكيانات يخلق حالة من التشوش الفكري والانتمائي، ويجعل المتطوع يعيش في دائرة من التشتت، فلا هو قادر على بناء تجربة حقيقية عميقة، ولا هو قادر على صناعة أثر طويل المدى. والأسوأ من ذلك أن هذه الحالة تُضعف قيمة الالتزام، وتحوّل العمل التطوعي من رسالة إلى مجرد “محطة عبور” لتحقيق مكاسب شخصية أو اجتماعية.
ولعل البعض يظن أن كثرة التنقل تمنحه خبرة أوسع أو حضورًا أكبر، لكنه يغفل أن التاريخ لا يتذكر العابرين، بل يتذكر أولئك الذين ثبتوا على المبدأ وصنعوا الفارق داخل مؤسساتهم حتى أصبحت أسماؤهم جزءًا من نجاح الكيان نفسه. فالقيمة الحقيقية لا تأتي من عدد الأماكن التي مر بها الإنسان، وإنما من حجم الأثر الذي تركه في المكان الذي آمن به.
كما أن الكيانات الكبرى لا تبحث فقط عن أصحاب المهارات، بل تبحث عن أصحاب الولاء والانتماء والاستقرار، لأن المؤسسة التي تخشى فقدان أفرادها في كل لحظة لا تستطيع بناء مشروع طويل الأمد، ولا تستطيع صناعة كوادر قادرة على حمل الرسالة مستقبلًا. ولهذا فإن الالتزام ليس قيدًا كما يظن البعض، بل هو دليل نضج ووعي واحترام للفكرة التي يعمل الإنسان من أجلها.
إن أعظم ما يمكن أن يقدمه المتطوع لنفسه قبل مؤسسته هو أن يتحلى بالثبات، وأن يؤمن بأن البناء الحقيقي يحتاج وقتًا وصبرًا وتراكمًا، وأن الإنجازات الكبيرة لا يصنعها المترددون ولا المتنقلون بين الرايات، وإنما يصنعها أولئك الذين قرروا أن يكونوا جزءًا من مشروع أكبر من ذواتهم.
وفي النهاية، يبقى العمل العام والتطوعي شرفًا لا يناله إلا أصحاب الرسالة، وتبقى قيمة الإنسان فيما يقدمه بإخلاص، لا فيما يبدله من مواقع وشعارات. فالثبات على المبدأ، والوفاء للكيان، والصدق في العطاء، هي الركائز التي تصنع القادة الحقيقيين وتصنع المؤسسات القادرة على البقاء والتأثير.
لأن الأوطان لا يبنيها العابرون… بل يبنيها المؤمنون بالفكرة حتى النهاية.












مصرع عاملين بعد سقوطهما من أعلى سقالة في الطابق الرابع بمدينة...
محكمة الجنايات الاقتصادية تقضى ببراءة مرتضى منصور
القبض على المتهم بطعن طالب بجامعة الأزهر، بسلاح أبيض أودت بحياته.
تأجيل محاكمة طبيب تجميل متهم بالتسبب في وفاة عروس حلوان لـ17 مايو
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل