الجمعة 29 مايو 2026 08:19 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوي يكتب : واذكروا الله في أيام معدودات

دكتور علاء الحمزاوي
دكتور علاء الحمزاوي

ـ هذا العنوان مقطع قرآني من قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ .. وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ}، بدأ الخطاب بقوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} قضيتم: أديتم وفرغتم، المناسك جمع مَنْسَك وهو النُسُك، والمراد به الذبيحة أو الشعيرة، فالمناسك هي الذبائح أو الشعائر، وإطلاقها على الشعائر أرجح؛ لأن الذبح من الشعائر، فالله يأمـر الحجاج بالذكر عقب أداء كل شعيرة من الإحرام والطواف والسعي والوقوف والمبيت بمزدلفة وبمنى والتقصير والحلق والهـدي ورمي الجمار، وبيَّن ربنا نوع الذكر فقال: {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} أي اذكروا الله في الحج كما تذكرون آباءكم أو أكثر، وهذا الأمر جاء ردا على تصرفات المشركين في الحج؛ حيث كانوا بعد فراغهم من المناسك يتفاخرون بفضائل آبائهم من إطعام الطعام وتحمُّل الديات ومساعدة المحتاج وغير ذلك، وربما وقع هذا الأمر من بعض الصحابة، فنهاهم الله عن ذكر آبائهم وأمرهم بذكر الله أكثر من ذكرهم آباءهم، والله أحق به؛ لأن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا أدى إلى العقوبة في الآخرة، وإن كان صدقا أدى إلى العُجْب والغرور.
ــ ثم ربط القرآن بين حال الحُجاج ما بين ذاكرين لله وذاكرين لآبائهم وحال الناس في الدعاء، فالذاكرون لآبائهم كالذين يقولون: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} أي ارزقنا من خير الدنيا ما نحب، وهؤلاء ليس لهم حـظ من خير الآخرة، وهم الغافلون عن الله لا يرجون ثوابا ولا يخشون حساباً، فكل متطلباتهم ملذات الدنيا، أما الذاكرون لله فهم كالذين يدعون الله بخيري الدنيا والآخرة، يقولون: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فبشرهم الله بقوله: {أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} أي يُثابون على أعمالهم، وعبر القرآن عنهم باسم الإشارة البعيد للدلالة على بُـعـد منزلتهم في العلو والرفعة؛ ومن ثم يستحب للمؤمن أن يدعو {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، فقد «عَاد رَسولُ اللهِ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الفَرْخِ (ضعُف وهَزُل جسمه حتى أصبح كالطائر الصغير)، فَقالَ له رَسولُ اللهِ: هلْ كُنْتَ تَدْعُو بشَيءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إيَّاهُ؟ قالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ ما كُنْتَ مُعَاقِبِي به في الآخِرَة فَعَجِّلْهُ لي في الدُّنْيَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ! لا تُطِيقُهُ أَوْ لا تَسْتَطِيعُهُ، أَفلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، فَدَعَا اللهَ له فَشَفَاهُ»، ثم قال تعالى: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} أي يحاسب العباد ويجازيهم في نصف يوم لقوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} المقيل وقت القيلولة وهي استراحة منتصف النهار في الحـر، وهذا يعني أن المؤمنين يُحاسَبون ويُجزَون الجنة فيدخلونها وقت القيلولة.
ــ وبعد أن قيّد الله الذكر تقييدا نوعيا بأنه أكثر من ذكر آبائهم قيّده تقييدا زمنيا، فقال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}، وهي الأيام الثلاثة التالية ليوم العيد وهي أيام نحـر وأيام رمي الجمار، وتسمى أيام التشريق؛ لأن الهدي لا يُنحَر فيها حتى تشرق الشمس، ولأن الناس يشرِّقون فيها اللحم أي يقددونه، والتقديد التجفيف بنشره في الشمس حتى لا يتلف، وهو يشبه عمل البسطرمة اليوم، وهذا التوجيه الإلهي جاء ردا على سلوك أهل الجاهلية، حيث كانوا يزعمون أن الحج ينتهي بانتهاء يوم النحر وهو يوم العيد، فيشغلون تلك الأيام بالتفاخر ومغازلة النساء، فنهى الله الحجاج عن ذلك، وأمرهم بالذكر والتكبير ولاسيما مع رمي الجمار فهو فعل النبي، كان يكبِّر مع كل حصاة، وهو مهم للمسلمين عامة، يقول النبي: «أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أَكْلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ»، ولاسيما عقب الصلوات؛ ومن هنا يحرم فيها الصيام، وهذا يدل على عظمة الإسلام وسماحته ومرونته، فكما أن في الصيام ثوابا عظيما فكذلك في الذكر والأكل والشرب ثواب عظيم، وهذه الأيام المعدودات غير الأيام المعلومات الواردة في قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}، فالأيام المعلومات عشر ذي الحجة أو هي أيام النحر الأربعة أو هي الثلاثة عشر يوما من أول ذي الحجة، وعلى ذلك فيوم النحر من الأيام المعلومات، وأيام التشريق الأيام المعدودات، وكلها أيام ذكر، والذكر هو العبادة المشتركة في كل مناسك الحج، وهو أعظم عبادة يتقرب بها المؤمن إلى الله.
ــ ثم تفضل ربنا على الحجاج فرخَّص لهم في ترك منى بعد يومين من أيام التشريق أو البقاء فيه الأيام الثلاثة لرمي الجمار، فقال لهم: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى}، ويُفهَم من ذلك أن المبيت بمنى أول يومين واجب على الحاج، أما اليوم الثالث فالحاج مخيَّر فيه بين المغادرة والمبيت، ولا إثم عليه في كلا الأمرين مادام يتقي الله بخوفه أن يصيب شيئا نهاه الله عنه في الحج، لكن التأخير أفضل؛ لأنه الأصل لقول الله: {فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}، والتقييد بالتقوى يدل على أن معيار القبول للعمل الصالح تحقيق التقوى، ثم خُتِمت الآيـة بحـثِّ الحجاج على التقوى وتذكيرهم بالآخرة ليزدادوا خوفا من الله؛ فقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي خافوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فإنكم راجعون إليه فيجازيكم على أعمالكم؛ فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، وفي الآية إشارة إلى أن حشد الحجاج في المشاعر صورة رمزية للحشر يوم القيامة؛ لذا استعمل القرآن فعل الحشر في الآية بدلا من فعل الرجوع ليناسب الحشد في الحج، ويحتمل أن الخطاب هنا لجميع المسلمين يحثهم على تحقيق التقوى في كل فعل وترك وامتثال لأمر أو نهي، وعبر عن ملاقاة العبد ربه بالحشر للتخويف الذي يزيد من تقوى الله، فالخطاب وصية جامعة تدعونا لاستحضار مراقبة الله لنا في جميع الأحوال وحتمية الموت والحساب.

دكتور علاء الحمزاوي واذكروا الله في أيام معدودات الجارديان المصريه