د. مصطفى يونس احمد يكتب : المحمل المصرى وكسوة الكعبة المشرفة..700 عام من الريادة والمسئولية الروحية المصرية
لمصر والمصريون مكانة خاصة فى العالم كله قديماً وحديثاً ، لما لها من سبق وريادة ومبادرة وآثر وتأثير فى الكثير من الأحداث التاريخية العالمية والإقليمية والمحلية على مر العصور، وإذ نتحدث عن تلك الريادة التاريخية ، فإن التأريخ أو الكتابة عن إضطلاع مصر بــــ "مسئولية" تصنيع كسوة الكعبة المشرفة ونقلها إلى بلاد الحرمين الشريفين لأكثر من 700 عام ، لهو تاريخ مجيد يستحق أن ينشر وأن تطالعه الأجيال وتتعرف عليه .
بداية لابد من الإشارة إلى أن عملية نقل الكسوة إلى بلاد الحجاز بعد تصنيعها بمصر أطلق عليها تاريخياً اسم "المحمل" أو "المحمل المصرى"، وهو الموكب الذي كان يخرج سنوياً من مصر ناقلاً الكسوة لـ "تكسى" بها "الكعبة المشرفة " و"مقام إبراهيم" بمكة المكرمة و"الحجرة النبوية الشريفة" بالمدينة المنورة ، بعد رفع الكسوة التى تغطيهم من العام السابق ليعود بها نفس الموكب إلى مصر ، ويتم تقطيع الكسوة القديمة إلى قطع توزع على الحكام والأمراء والنبلاء للتبرك بها ( زين بعضهم قبورهم وأضرحتهم بأجزاء منها) .
و" المحمل" نفسه عبارة عن هودج خشبي مزخرف ومغطى بكسوة فاخرة (كان ذلك الهودج للسلطانة "شجرة الدر" ، وهومجرد رمز لا توضع فيه الكسوة ، وانما توضع في صناديق مغلقة وتحملها الجمال الأخرى بالموكب)، وكان يرسل سنوياً مع قافلة الحج الذاهبة إلى بلاد الحجاز من مصر وافريقيا، ويعد أحد أبرز الرموز الحضارية والدينية المصرية في التاريخ الإسلامي ، كما يعد - كذلك - رمزاً تاريخياً لارتباط مصر والمصريين بالحرمين الشريفين ، ويؤرخ للدور الكبير الذي قامت به مصر في صناعة كسوة الكعبة المشرفة ونقلها / حملها إلى هذه البلاد عبر العصور.
ومنذ البدايات الأولى لدخول الاسلام مصر أوصى الخليفة "عمر بن الخطاب" بكسوة الكعبة المشرفة بالقماش "القباطي" الذي يصنع فى مدينة الفيوم بمصر ، ومع الخلافة الفاطمية التي اتخذت القاهرة عاصمة لها، زاد ارسال كسوة الكعبة المشرفة "ذات اللون الأبيض" إلى بلاد الحجاز عن العصور والعهود والدول التى سبقتها.
اما ارسال"المحمل" و"الكسوة" من مصر بشكل متواصل وغير منقطع فقد بدأ مع عهد السلطان المملوكى "الظاهر بيبرس" 1260- 1277 م وتحديداً بداية من عام 1263م ، وظل ذلك الأمر متواصلاً عبر الأجيال وعبر التاريخ والعهود والدول والأسر التى حكمت مصر حتى الستينيات من القرن العشرين (عهد الرئيس جمال عبد الناصر)، عندما أضطلعت المملكة العربية السعودية بمهمة الكسوة بشكل كامل .
حملت تلك الفترة التاريخية التى تفوق الـــ 700 عام فى طياتها تأكيداً على تحمل مصر لهذه المسئولية الكبيرة والعظيمة ، ورفضها حكامها اشراك أى دولة أخرى فيها ؛ بل وأثبتت الأحداث التاريخية ذلك ؛ فقد جرت محاولات كثيرة لنيل ذلك الشرف من حكام الفرس و العراق قوبلت كلها بالرفض من سلاطين المماليك ، وعندما أراد أحد حكام اليمن ويسمى "الملك المجاهد" عام 751هـ / 1350 م أن يكسو الكعبة بكسوة يمنية ، أخبر أمير مكة السلطان المملوكى "الملك الصالح إسماعيل "بن "الناصر محمد بن قلاوون" حاكم مصر آنذاك الذى أمر بالقبض عليه ، وسيق مكبلاً بالأغلال إلى القاهرة.
ومع استيلاء العثمانيون على مصر عام1517 م ، تحولت مصر إلى "ولاية عثمانية " ، ومع ذلك لم يستطع العثمانيون نزع هذه السلطة الروحية من مصر ؛ إذ كان حكام المماليك بداية من "الملك الصالح إسماعيل" – المتقدم ذكره - قد أنشاوا اوقافاً (عبارة ريع قريتين من قرى القليوبية كان يتحصل منهما 8900 درهم سنوياً) ، فأكمل العثمانيون على نفس النهج وأضافوا أوقافاً آخرى ؛ إذ زاد السلطان "سليمان" بن السلطان "سليم الأول" الذى ضم مصر للدولة العثمانية ، زاد سبع قرى أخرى على القريتين المخصصتين للمحمل والكسوة.
وعلى ذلك المنوال ظلت الكسوة والمحمل يرسلان سنوياً ، وبإنتظام وعلى رأسها "أمير الحج " المعين من قبل حاكم مصر فى كل عام ، ولم تتوقف تلك المسيرة إلا عندما استولى الوهابيون / اتباع "محمد بن عبد الوهاب" على الحرمين الشريفين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ، وبعد هزيمة الوهابيين امام قوات "محمد على باشا" والى مصر عام 1813 عاد الأمر إلى إلى سابق عهده مرة آخرى ، كما توقفت رحلات المحمل أيضاً ولمدة 10 سنوات بعد حادثة وقعت عام 1926 م بين افراد البعثة المصرية وجماعة عسكرية دينية تابعة للملك " عبد العزيز آل سعود " رحمه الله بسبب الطقوس المصاحبة للمحمل ، إلا أن رحلات المحمل قد عادت للاستئناف مرة آخرى عام 1936م بعد إزالة حالة التوتر السياسى المصاحبة لتلك الحادثة ، وتوقيع معاهدة صداقة بين البلدين فى ذلك العام (1936م).
وفى عام 1233ه / 1817 – 1818 م انشأ "محمد على باشا" مصنعاً ، أو داراً لصناعة كسوة الكعبة بحي"الخرنفش" (يقع حالياً بمنطقة مصر القديمة بالقاهرة) ؛ وذلك فى اطار النهضة الصناعية العامة التى اقامها ذلك الوالى العثمانى فى مصر ، وكذلك بدافع اهتمامه بتلك المهمة والمسئولية التاريخية العظيمة ولإستمرار السيطرة الروحية والدينية للدولة العثمانية التى يتبعها على بلاد الحرمين الشريفين بعد استراداها من الوهابيين ، واستمر العمل في دار الصناعة المشار إليها بالخرنفش حتى عام 1962م ، وفى متحف السويس القومى الذى افتتح عام 2012 م توجد قطع من آخر أو آواخر كسوات للكعبة المشرفة خرجت من مصر.
ويصف المؤرخون يوم خروج "المحمل" من ميدان القلعة بالقاهرة ، بأنه كان يوماً مشهوداً ، وفى عهد المماليك كان " المحمل " يــ " لف" شوارع القاهرة في إحتفال كبير يحضره السلطان نفسه وكبار رجال الدولة قبل سفر لبلاد الحرمين ، وتدريجياً تحول يوم خروجه إلى احتفال شعبي ضخم يضم فرق الفنون الشعبية ؛ ذلك أنه لم يكن مجرد وسيلة لنقل الكسوة فحسب ، بل كان يحمل معه الفنون المصرية والزخارف الإسلامية والخط العربي، ليعكس مكانة مصر الحضارية والدينية .
وتكملة لوصف المؤرخون ليوم خروج "المحمل" ، يتقدم الجمل الذى يحمل "الهودج" - المتقدم ذكره – عن بقية الجمال التي تحمل الكسوة نفسها والمياه وأمتعة الحجاج ويطوفون شوارع القاهرة بصحبة الوالى أو من ينوب عنه ، وكذلك بصحبة الجند الذين يقومون بحراسة الموكب حتى بلاد الحجاز، ويصاحب طوافه فى شوارع القاهرة العديد من الاحتفاليات والأناشيد الدينيه المصرية ، وتشارك فيه كافة الفرق الموسيقية والخيول الراقصة، كما تزين المحلات التجارية على طول الطرق أو الشوارع التى يسلكها، ثم يسير – فى رحلة شاقة – تستمر لأكثر من 40 يوماً من القاهرة إلى السويس ، ثم يعبر سيناء إلى العقبة ، ثم يسير بمحاذاة البحر الأحمر إلى أن يصل إلى مكة المكرمة . وبعد انتهاء موسم الحج تعود قافلة المحمل، فيجتمع الأهالى حولها فى احتفال مهيب ، ويحضرون معهم اطفالهم للمس الكسوة والتبرك والدعاء .
وهكذا ظلت تلك المسألة المباركة من قبل المصريين جميعاً حكاماً ومحكومين عبر السنين ؛ إذ زادت الأوقاف التى أوقفها المصريون لها بمقدار كبير حافظ على انتظامها، وعدم توقفها حتى فى السنوات والأزمنة التى عانت فيها مصر من أزمات اقتصادية بسبب تلك الأوقاف السخية ، ورعاية المصريون جميعا لتلك المهمة "الروحية " التى تؤكد حب المصريين لبلاد الحرمين الشريفين التى نزل بها الاسلام وحبهم لشعيرة الحج ورحلته وتراثه الراسخ فى الوجدان والشعور المصرى .












النيابة تعاين موقع مقتل ربة منزل على يد زوجها في طوخ وتأمر...
حبس الأب المتهم بقتل ابنته الطفلة 10 سنوات على ذمة التحقيقات
مصرع رضيع إثر انقلاب سيارة ملاكي بالطريق الصحراوي الغربي أمام مركز...
قوات الحماية المدنية تسيطر على حريق بكافيه ومطعم مأكولات شعبية في مدينة...
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل