خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس: بالعقل أقول…( مائة يوم و يوم على حرب إيران وأمريكا .. والعودة إلى نقطة الصفر )
بعد مرور مائة يوم على الحرب التي هزّت الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، لكنها في الوقت ذاته أكثر تعقيداً .. فالحرب التي بدأت بضربات عسكرية غير مسبوقة و غير مدروسة استهدفت منشآت ومواقع استراتيجية، وانتهت بوقف إطلاق نار هش، لم تنجح في تحقيق الحسم الذي بشّر به قادة الطرفين، بل أعادت المنطقة إلى النقطة التي انطلقت منها الأزمة ..
خلال الأيام الأولى للحرب، ساد الاعتقاد بأن المواجهة ستغيّر موازين القوى في المنطقة لعقود قادمة .. واشنطن أعلنت أن هدفها كان تقويض القدرات العسكرية و النووية الإيرانية ، فيما رفعت طهران شعار الصمود و الردع، مؤكدة أنها قادرة على مواجهة أكبر قوة عسكرية في العالم .. و بين التصريحات النارية و العمليات العسكرية المتبادلة ، عاش الشرق الأوسط على حافة انفجار شامل ..
لكن بعد مائة يوم ، يتضح أن النتائج الفعلية جاءت أقل بكثير من سقف التوقعات .. صحيح أن الضربات الأمريكية و الإسرائيلية ألحقت أضراراً ملموسة بالبنية العسكرية الإيرانية ، إلا أنها لم تُنهِ النفوذ الإيراني في المنطقة ، و لم تُسقط النظام السياسي في طهران .. و في المقابل ، نجحت إيران في إثبات قدرتها على الرد و إرباك الحسابات الإقليمية ، لكنها لم تتمكن من فرض معادلة جديدة أو تحقيق انتصار استراتيجي حاسم ..
اقتصادياً ، دفعت المنطقة ثمناً باهظاً .. ارتفعت أسعار الطاقة ، و تراجعت الاستثمارات ، و ازدادت المخاوف بشأن أمن الملاحة و التجارة الدولية .. أما سياسياً ، فقد عادت الأطراف نفسها إلى طاولة المفاوضات ، و لكن بشروط أكثر تعقيداً و انعدام ثقة أكبر من أي وقت مضى .. و تشير التطورات اللاحقة إلى استمرار قنوات التفاوض و الوساطات رغم المواجهات العسكرية السابقة .. 
المفارقة أن الحرب التي كان يُفترض أن تُنهي الأزمة النووية الإيرانية أعادت إحياءها .. فالملف النووي لا يزال مطروحاً ، و الخلافات الجوهرية بين واشنطن و طهران لم تتغير .. بل إن الحرب أضافت طبقات جديدة من الشكوك و العداء ، و جعلت الوصول إلى تسوية دائمة أكثر صعوبة ..
على المستوى الإقليمي ، أثبتت الأحداث أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصياغة واقع سياسي جديد .. فكل ضربة كانت تستدعي ضربة مضادة ، و كل تصعيد كان يقود إلى تصعيد آخر ، حتى وصلت الأطراف إلى قناعة غير معلنة بأن تكلفة الحرب المفتوحة أكبر من مكاسبها المحتملة ..
بعد مائة يوم ، تبدو المنطقة و كأنها أنهت دائرة كاملة لتعود إلى البداية .. لا غالب و لا مغلوب بصورة حاسمة ، لا اتفاق نهائياً و لا سلاماً دائماً ، بل هدنة مؤقتة و أسئلة مفتوحة حول المستقبل .. و هكذا ، فإن الدرس الأبرز من حرب إيران و أمريكا ليس حجم الدمار الذي خلفته ، بل الحقيقة القديمة التي تتكرر في الشرق الأوسط : يمكن للحروب أن تغيّر المشهد مؤقتاً ، لكنها نادراً ما تنجح في حل جذور الأزمات ..
لقد عادت الأطراف إلى نقطة الصفر ، لكن بثمن أعلى ، و مخاطر أكثر و مستقبل أكثر غموضاً ..
الشرق الأوسط بعد الحرب .. خرائط النفوذ لم تتغير ..
و رغم الضجيج العسكري و الإعلامي الذي رافق الحرب ، فإن الخريطة السياسية للشرق الأوسط بقيت إلى حد كبير كما كانت قبل اندلاعها .. فالقوى الإقليمية ما زالت تتحرك وفق الحسابات ذاتها ، و التحالفات لم تشهد تحولات جذرية ، بينما استمرت الملفات الساخنة في العراق و سوريا و لبنان و اليمن دون حلول حقيقية ..
لقد راهن البعض على أن الحرب ستؤدي إلى تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة بشكل جذري ، لكن الوقائع أثبتت أن النفوذ لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الترسانة العسكرية ، بل بشبكات المصالح و العلاقات السياسية و الاقتصادية التي تراكمت على مدى عقود .. و في المقابل ، لم تتمكن طهران من تحويل صمودها العسكري إلى مكاسب سياسية ملموسة تفرض واقعاً جديداً على خصومها ..
الرابح الأكبر .. صناعة الخوف ..
إذا كان من رابح خرج من هذه الحرب ، فهو الخوف ذاته .. فقد عززت المواجهة شعور دول المنطقة بأن أي شرارة صغيرة قد تتحول إلى حرب واسعة تهدد الأمن والاستقرار والاقتصاد العالمي ..
و خلال مائة يوم فقط ، أعادت الحرب إلى الأذهان مشاهد أزمات النفط العالمية ، و تهديد الممرات البحرية ، و القلق من توسع دائرة الصراع لتشمل أطرافاً أخرى .. و لهذا ، فإن معظم الحكومات الإقليمية باتت أكثر حرصاً على تجنب المواجهات المباشرة ، و أكثر ميلاً إلى إدارة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية مهما كانت بطيئة أو معقدة ..
واشنطن و طهران .. انتصار الخطاب و هزيمة الواقع ..
في السياسة ، يستطيع الجميع إعلان النصر .. فواشنطن تحدثت عن نجاح عملياتها العسكرية في توجيه رسائل ردع قوية ، بينما احتفت طهران بصمودها أمام القوة الأمريكية و قدرتها على الرد ..
لكن الحقيقة أن الطرفين وجدا نفسيهما بعد مائة يوم أمام المعادلة نفسها التي كانت قائمة قبل الحرب : الولايات المتحدة لا تريد حرباً طويلة و مكلفة في الشرق الأوسط ، و إيران لا تريد مواجهة مفتوحة تهدد استقرارها الداخلي و اقتصادها المتعثر .. و بين هذين الموقفين ، عاد الطرفان إلى سياسة إدارة الصراع بدلاً من حسمه ..
ماذا بعد؟..
السؤال الأهم الآن ليس ما الذي حدث خلال المائة يوم الماضية ، بل ما الذي سيحدث خلال المائة يوم المقبلة؟..
الاحتمال الأول هو استمرار حالة التهدئة الحذرة ، مع بقاء قنوات التفاوض و الوساطات مفتوحة .. أما الاحتمال الثاني فهو عودة التوترات على شكل مواجهات محدودة أو ضربات متبادلة ، خصوصاً إذا تعثرت المسارات الدبلوماسية أو ظهرت تطورات جديدة في الملف النووي الإيراني ..
و في كل الأحوال ، تبدو المنطقة أمام مرحلة عنوانها الأساسي “إدارة الأزمات” لا “حل الأزمات”.. فالجروح التي خلفتها الحرب لم تلتئم بعد ، و الشكوك المتبادلة لا تزال عميقة ، والثقة بين الأطراف تكاد تكون معدومة ..
و النتيجة بعد مائة يوم على حرب إيران وأمريكا ، يمكن القول إن الشرق الأوسط خرج من المعركة منهكاً ، لكنه لم يخرج منها مختلفاً .. تغيرت بعض التفاصيل ، و تبدلت بعض الحسابات ، لكن جوهر الصراع بقي كما هو .. و لذلك فإن العودة إلى نقطة الصفر ليست مجرد وصف سياسي للحظة الراهنة ، بل تعبير عن مأزق تاريخي يتكرر في المنطقة منذ عقود : حروب كثيرة ، خسائر كبيرة ، و دروس لا يتعلمها أحد بالقدر الكافي ..
و ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم : كم حرباً أخرى يحتاجها الشرق الأوسط ليكتشف أن ما تعجز عنه الصواريخ قد تنجح فيه السياسة.












القبض على يحيي الصعيدي بعد صدور حكم بحبسه
إحالة سائق ميكروباص انقلب أعلى الدائري للمحاكمة...تسبب في إصابة 12 شخصا
عامان مع الشغل لصانعة محتوى في قضية سب الفنانة وفاء عامر
نظر محاكمة 5 متهمين بقضية خلية داعش حلوان اليوم
سعر الدولار اليوم الجمعة 5 يونيو 2026..
أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 5 يونيو..
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم