الأربعاء 1 يوليو 2026 10:11 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة هدى حجاجى تكتب : حينما يستيقظ الشعب بعد فوات الأوان

الكاتبة هدى حجاجى
الكاتبة هدى حجاجى

ليست الكارثة دائمًا في الخطأ السياسي، بل في اعتياد الناس عليه حتى يصبح جزءًا من المشهد اليومي. فالتاريخ يخبرنا أن الشعوب لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء، خطوة بعد أخرى، حتى يأتي اليوم الذي تستيقظ فيه على واقع لم تعد تملك تغييره بسهولة.

حينما يرتفع صوت التحذير، يكون مشغولًا بضجيج آخر؛ بضجيج الوعود، والخطابات الرنانة، والمعارك الجانبية التي تُلهي المواطن عن الأسئلة الحقيقية: أين تذهب الثروات؟ لماذا تتراجع الخدمات؟ لماذا تتسع الفجوة بين الدخول والأسعار؟ ولماذا يزداد الفقراء فقرًا بينما تتضخم ثروات قلة محدودة؟

في تجارب عديدة حول العالم، لم تبدأ الأزمات الاقتصادية الكبرى بانهيار مفاجئ، بل بدأت بمؤشرات واضحة: تضخم متزايد، تراجع القوة الشرائية، ارتفاع الديون العامة، واتساع الاعتماد على الاقتراض لسد عجز متراكم. ومع مرور الوقت يصبح المواطن منشغلًا فقط بكيفية النجاة من يومه، بينما تتراجع قدرته على مساءلة السياسات أو المشاركة في تصحيح المسار.

المشكلة أن الشعوب غالبًا لا تدرك حجم الخطر إلا عندما تتحول القرارات إلى واقع يومي مؤلم. عندها يصبح السؤال: لماذا لم نتكلم من قبل؟ لماذا صدقنا أن كل شيء على ما يرام رغم أن المؤشرات كانت تقول غير ذلك؟

التاريخ السياسي مليء بالأمثلة. في دول كثيرة أدى تجاهل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية إلى أزمات حادة دفعت ثمنها الأجيال اللاحقة. لم تكن المشكلة في نقص التحذيرات، بل في غياب الإصغاء إليها. فالحقيقة المزعجة أن الأوطان لا تُهزم فقط بسوء الإدارة، بل أيضًا بصمت من يرون الخلل ويؤجلون مواجهته.

وحين يستيقظ الشعب بعد فوات الأوان، يكتشف أن ما فُقد خلال سنوات لا يمكن استعادته في أيام. يكتشف أن الإصلاح الذي كان ممكنًا بالأمس أصبح أكثر كلفة اليوم، وأن القرارات المؤجلة تتحول مع الوقت إلى أزمات متراكمة.

لكن الدرس الأهم أن "فوات الأوان" ليس قدرًا محتومًا. فوعي المواطنين، وحرية تداول المعلومات، والرقابة المجتمعية، والمشاركة في الشأن العام، كلها أدوات تمنع الوصول إلى تلك اللحظة الحرجة التي يفيق فيها الجميع على واقع لم يختاروه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس أن يخطئ، بل أن يتوقف عن السؤال. فالسؤال الواعي هو أول أبواب النجاة، أما الصمت الطويل فهو الطريق الأقصر إلى الندم.

حينما يستيقظ الشعب بعد فوات الأوان، لا يكون السؤال: ماذا حدث؟ بل: لماذا لم نرَ ما كان يحدث أمام أعيننا طوال الوقت؟.

الكاتبة هدى حجاجى حينما يستيقظ الشعب بعد فوات الأوان الجارديان المصريه