الأربعاء 1 يوليو 2026 10:09 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب: تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (12)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

يقول خبراء القانون "إن عقوبة شهادة الزور تتدرّج في قانون العقوبات من
الحبس البسيط ، وتصل إلى عقوبة الإعدام ، وتختلف العقوبة بناءً على نوع القضية "جناية ، أم جنحة ، أو دعوى مدنية ، وما ترتب على هذه الشهادة من
أضرار لحقت بالمتهم" فشهادة الزور حرفةخسيسة ، يقوم بها بعض المنحرفين الذين لا ذمة لهم ، ولا ضمير ، وهى حرفة مجرّمة في جميع القوانين ، والشرائع السماوية ، وإن هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم ، بل تمتد جذورها إلى عمق التاريخ ، ولا سيما لدى القبائل العربية قبل مجئ الإسلام ، وهى من التحديات التي واجهها الرسول ﷺ ، وقضى عليها ببناء ضمائرهم المهشمّة ، وأفاقها من سكرتها ، وحرّك عقولهم المشتتة ، وأصلح تلفها المتجمّد ، وأزال تقيحات أخلاقهم الرديئة ، وخاطبهم بالمنطق ، والبيّنة ، وذلك وفق منهج ربّانىّ متحضر ،وخلق دنيوىّ راق ، فقد كان ﷺ بين الفينة ، والآخرى يحذرهم من خطورة ذلك
المرض المزمن بطرق حديثة ، ومتعددة ، وكأنه ﷺ طبيب نفسانىّ حاذق في الطب النفسى ، وخبير عالمىّ في التنمية البشرية ، ومرشد اجتماعىّ رائع ، يصف لهم
الدواء ، ويعطيه لهم بجرعات محددة ، وفى أوقات معينة حتى يكون للعلاج أثر فعّال ، وتأثير إيجابىّ على المريض ، ليتعافى من ذلك المرض المزمن، ولكنه ﷺ
أجلّ من ذلك وأسمى ، ولذا قال سيدنا عبد الله بن مسعود "انَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كان
يَتَخَوَّلُنا بالمَوعِظةِ في الأيَّام ، كَراهيةَ السَّآمةِ علينا" فكان حينا يقرأ عليهم قول
الخالق "وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاما" وحينا آخر يقول لصحابته الكرام بأسلوب تربوىّ جم ، مستخدما إحدى استراتيجيات التعلّم ، والتى يستخدمها خبراء التربية الآن ، وسمّوهاباستراتيجية "لعب الأدوار" ! وكأنه
ﷺ يعيش في عصرنا هذا ! حيث طرح ﷺ المعلم الأكبر على صحابته سؤالا ،كى يتشاركوا معه أخذا ، وعطاء في الحديث ، فقال لهم "ألا أُنَبِّئُكُم بأكبَرِ الكبائر .. ثلاثا ؟
قُلنا : بَلى يا رَسولَ الله قال ﷺ : الإشراكُ بالله ، وعُقوق الوالِدَين ، وشَهادةُ الزُّور ، أو قَولُ الزُّور"
وكان مُتَّكِئًا ، فجَلَس ، فما زالَ يُكَرِّرُها ﷺ
حتَّى قُلنا : لَيتَه سَكَت وكان ﷺ حينا آخر يستخدم استراتيجية أخرى ، فيقرأ عليهم قول ربه ،وخالقه"فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" وهكذا حتى تعافوا من ذلك المرض الخبيث ، ولكن مازال البعض من المنحرفين يعملون بهذه المهنة ، ولا
غضاضة لهم في ذلك ، بل يذهب البعض منهم إلى الحج ، ويشعر براحة الضمير ،حين عودته ، ثم يتفتق ذهنه ، ويقول بملء فمه حديث الرسول ﷺ "من حجَّ فلم يرفث ، ولم يفسق رجعَ كيومِ ولدتهُ أمُّه" ! ! فيا هذا أنت لم ترفث ، ولم تفسق،أنت فعلت ما هو أكبر من ذلك ، فكيف يغفر الله لحاج ، وقد أطلق عنان لسانه كذبا ،
وبهتانا ، وشاهدا للزور ، أو كان محترفا في إطلاق الشائعات التى تضر البلاد ،والعباد ؟ ! وكيف يعود الحاج إلى بيته كيوم ولدته أمه ، وقد ظلم هذا ، وآذى ذاك ، وامتلأت جيوبه بمال حرام ؟ ! وكيف .. وكيف .. ؟ !
ما هذا العبث ؟ ! وما ذاك الفهم الساذج ؟ ! إن حقوق العباد لا تمر مرور الكرام ،
يجب أن تؤدّى لصاحبها ،أو تحصل على مسامحتهم قبل أن تذهب إلى الحج ، كى يرجع كيوم ولدته أمه ، ويؤكد رسولنا الكريم ﷺ ذلك المعنى ، واقرأ إن شئت حديث رسولنا الكريم ﷺ حين قال "من لم يدع قول الزور ، والعمل به ، فليس لله
حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" فلا معنى لما يقوم به من عبادات ، حيث أن
الهدف من العبادات ، هو خلق إنسان عصرىّ راق ، نافع لنفسه ، ولغيره من
الناس ، ولا تمتد يداه ، ولا لسانه لإيذاء أحد منهم مهما اختلف دينهم ، وعقيدتهم ،ومذهبهم ، وما نفع تلك المرأة صلاتها ، وصيامها للدهر كله ، فقال ﷺ عنها هي في النار" لأنها تؤذى جيرانها ، واقرأ إن شئت الحديث الذى دار بين الصحابة ورسولهم ﷺفقالوا : يا رَسولَ الله "فُلانةُ" تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ ، وتُؤذي جيرانَها ؟ قال ﷺ : هيَ في النَّارِ" وليس هذا فحسب بل إذا كان هذا الإيذاء
لحيوان ، أو طير ، ألم تقرأ قول رسول ﷺ "دخَلَتِ امرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّة ، ربَطَتْها ،فلَمْ تُطْعِمْها ، ولَـمْ تَسْقِها ،ولَـمْ تُرْسِلْها فتَأْكُلَ مِن خَشَاشِ الأَرْضِ" فما أعظمه من رسول ! وما أروعه من تحضر لدين وسطىّ حنيف !

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (12) الجارديان المصريه