الخميس 2 يوليو 2026 11:24 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. مصطفى يونس احمد يكتب : قراءات فى محاولات طمس الهوية المصرية عبر التاريخ واستردادها فى 30 يونيو

د. مصطفى يونس احمد
د. مصطفى يونس احمد

لم تكن مصرنا الحبيبة يوماً بعيداً عن استهداف العديد من القوى والجهات الداخلية والخارجية ؛ بسبب كونها – قديماً وحديثاً - لاعباً رئيسياً في استقرار المنطقة . وقد أخذ ذلك الاستهداف عبر التاريخ أشكالاً مختلفة ، لكن امتلاك مصر لقدرات شاملة وتماسكاً داخلياً قد شكل درعاً أساسياً ومستمراً فى التعامل مع تلك التحديات .
إن الموقع الجغرافي الفريد لمصر ، وكذلك ثقلها السياسى ودورها القيادى ، وقوة وتماسك مؤسساتها ، وحمايتها للأمن القومي والقضايا الإقليمية ... وغيرها من العناصر تأتى كلها كمحاور استراتيجية وجيوسياسية وأسباباً رئيسية لذلك الاستهداف ؛ ذلك أن مصر ربطت – منذ قديم الأزل - بين قارات العالم القديم ، وتحكمت بالتالى في طرق التجارة الحيوية ؛ فأصبحت نقطة جذب استراتيجي تطمح القوى الكبرى للهيمنة عليها وتأمين نفوذها من خلال تلك الهيمنة ، كما أن اعتبار مصر تاريخياً "رمانة الميزان" والداعم الأول لاستقرار المنطقة ، وسعيها الدائم للحفاظ على الأمن القومي العربي، ورفضها لسياسات الهيمنة الأجنبية أو مخططات تفتيت الدول المجاورة جعلها تقف حجر عثرة أمام العديد من مصالح القوى الإقليمية والدولية الطامعة وقد ساندها ما امتلكته على مر العصور من جيوش منظمة وقوية فى تلك الوقفة ؛ إذ منحتها تلك الجيوش إلى جانب التماسك والوحدة الجغرافية والشعبية بين سكانها التفوق العسكري ، والوقوف كحائط صد فى وجه الطامعين على مر العصور، كما وضعتها مواقفها الثابتة تجاه القضايا المحورية مثل الأزمة في قطاع غزة، ورفضها لمخططات التهجير وتصفية القضية الفلسطينية دائماً في دائرة الضغوط والتهديدات المباشرة وغير المباشرة من أطراف تسعى لتغيير موازين القوى .
.
وفى ظل ذلك الاستهداف المستمر تاريخياً تعرضت الهوية المصرية لمحاولات طمس وتشويه مستمرة عبر العصور كان آخرها محاولات الجماعة الإرهابية (الإخوان المسلمين) خلال العام الذى حكمته لمصر ؛ إذ سعت قوى استعمارية وتيارات فكرية – عبر التاريخ - إلى سرقة التاريخ المصري، وإنكار أصالة الحضارة المصرية ، أو فصل مصر عن محيطها.
وتجلت هذه المحاولات في الكثير من الدول والحقب والمسارات التاريخية الرئيسية التى مرت بمصرنا الحبيبة قديماً وحديثاً ؛ إذ لا تزال تصنف كأبرز التحديات الحديثة التي تواجه وعي الأجيال بتاريخهم ،
والحقبقة التاريخية أن الشعب المصرى قد واجهها جميعاً بمرونة وصلابة ، وحافظ على ملامح هويته اللثقافية المتنوعة على مر العصور التى أصبحت سبيكة او عجينة خاصة خالصة ؛ ويمكننا رصد تلك المحاولات وهذه المواجهة فى الأتى : -
أولاً : الاستعمار ومحاولات التهميش والسيطرة ؛ ذلك أن كل محتل جاء إلى مصر كـــــــــــــــ (اليونانيون- الروما- والعثمانيون – الانجليز – الفرنسيين ...الخ) سعى إلى فرض ثقافته ولغته على المصريين، وحاول فى المقابل طمس لغتهم وثقافتهم الأصلية ، خاصة في الفترات الأولى منه ، كما أن الاحتكار الغربي لكتابة وقراءة التاريخ المصري القديم والذى استمر لقرون طويلة قد استغل إعلامه لتكريس مفاهيم مغلوطة أو تشويه تلك الحضارة وتجريد المصريين من إرثهم الحضاري .
ثانياً : الحركات الأيديولوجية المعاصرة مثل حركة الأفروسنتريك (Afrocentricity) التى ظهرت في الولايات المتحدة وحاولت سرقة الحضارة المصرية القديمة ، وحاولت كذلك نسب بناء الأهرامات وتاريخ الفراعنة إلى شعوب إفريقية أخرى.
ثالثاً : الأزمات الفكرية الداخلية التى شهدها الفكر المصري الحديث ، وما بها من حالات الشد والجذب بين التيارات الفكرية المتعددة قد حاولت حصر الهوية في قالب واحد فى كل مرة كــ ( الفرعوني - العربي- الإسلامي – الغربى / الأوروبي- القبطى .... الخ ).
رابعاً : فترات اختطاف الدولة ، والتى مثلتها فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين قد شهدت محاولات مستميتة لطمس الهوية الوطنية واستبدالها بمشروعات أيديولوجية وتنظيمية ضيقة لا تعكس طبيعة المجتمع المصري العريق.
وفى ظل ذلك كله برزت مقاومة المصريين واستعادتهم للهوية وتمسكهم بمكوناتها وتنوعها ، وقد نجحوا في الحفاظ على تلك الهوية من خلال الحفاظ على جذورهم بالربط بين لغتهم القديمة والحديثة، واستمرار العادات والتقاليد المتوارثة على ضفاف النيل ، كما لعبت الدولة وقواتها المسلحة دوراً كبيراً فى ذلك من خلال احتضان جماهير الشعب العريضة التى خرجت فى الــ 30 من يونيو عام 2013م تنادى بسقوط حكم الاخوان وحكم مرشدهم ، وتنادى كذلك بعودة الهوية المصرية إلى مكانها ومسارها الصحيح ، وما لبثت أن انقشعت تلك الغمة ، وجاء دستور 2014 ليؤكد فى مادته الأولى على أن " الشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها ، ومصر جزء من العالم الاسلامى ، تنتمى إلى اللقارة الافريقية ، وتعتز بامتدادها الأسيوى وتسهم فى بناء الحضارة الاسلامية " ثم تبع ذلك فى المادة 47 منه بالزام الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها المتنوعة " ، ومن هنا اصبحت الدولة المصرية تطبق استراتيجياتها لحفظ التراث؛ إذ تبنت الهوية المصرية القديمة كجزء أصيل من مشاريعها القومية ، وبرز ذلك في الاحتفالات العالمية مثل موكب المومياوات الملكية و طريق الكباش ، وافتتاح المتحف المصرى الكبير ... وغيرها ، كما عملت المؤسسات الوطنية والبحثية مثل مؤسسات الآثار والأكاديميات على تنظيم ندوات وبرامج مستمرة لتصحيح المفاهيم المغلوطة ، وتوعية الأجيال الجديدة، والتصدي لحملات طمس التاريخ.
وهكذا استردت مصر والمصريين فى 30 يونيو 2013 م هويتهم الثقافية الأصلية من أيدى الخاطفين ، كما استردها اجدادنا وحافظوا عليها ، وهكذا ستظل مصر والمصريين وقواتهم المسلحة الباسلة جنباً إلى جنب فى الحفاظ على تلك الهوية من العابثين والطامعين واولى الأغراض ؛ حفظ الله مصر وجيشها وشعبها وقيادتها إلى يوم الدين .

د. مصطفى يونس احمد قراءات فى محاولات طمس الهوية المصرية عبر التاريخ واستردادها فى 30 يونية الجارديان المصريه