د. محمد هناء الدين يكتب: سلم الأولويات..بين إدارة الكرة وإدارة المستشفيات
حاولت أن أوجل نشر هذا المقال. حاولت أن أغض الطرف أن أبلع غصة الأرقام التي تصفع وجه المنطق كل صباح. لكن الحقيقة كالنار لا تحبس في صدر والوجع إذا سكت عليه صار ورما ينهش ضمير أمة بأكملها. فلتكن هذه الكلمات صرخة في واد أصم أو ربما مسمارا أخيرا في نعش الأولويات المقلوبة.
المشهد لا يحتاج إلى فيلسوف ليقرأه بل إلى إنسان بقي فيه ذرة من إحساس. على ضفة يجلس حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر يتقاضى مليوني جنيه شهريا. راتب يعادل في شهر واحد ما يحلم به أساتذة الجامعة بعد ربع قرن من العطاء. وعلى الضفة الأخرى يقف طبيب مدير عام لمنطقة طبية يحمل على كتفيه أرواح آلاف البشر ويدير مستشفيات بالية ويصارع الموت بأدوات مهترئة وينام على وجع مرضى لا يجدون ثمن عمليه او ثمن علاج راتبه ١١ ألفا وخمسمائة جنيه ده بعد الزيادات لا تكاد تكفي إيجار شقة
يا قلبي لا تحزن
كيف لا أحزن والمسافة بين الرقمين لا تقاس بالمال بل تقاس بانهيار كامل في ميزان القيمة الإنسانية؟ المدرب الذي يركض خلف كرة يحصل في ثلاثة أيام على ما يحصل عليه مدير المنطقة الطبية في عام كامل في شهر واحد يقبض المدرب ما يحتاج الطبيب إلى ١٤ عاما و٥ أشهر من التعب والأرق والمسؤولية ليجنيه أربعة عشر عاما من إنقاذ الأرواح تختزل في ثلاثين يوما من متابعة تدريبات واستراتيجيات مباراة.
ثم تأتي الضربة القاضية تلك التي جعلتني أعض على أصابعي وأنا أكتب هدايا ومكافآت للجهاز الفني تصل إلى مليار ومائتي مليون جنيه
مليار ومائتا مليون الرقم ثقيل على اللسان وأثقل على القلب ليس لأنه رقم فلكي فحسب بل لأنه يتنزل على أفراد يصفّق لهم لأن كرة عبرت خطا أبيض بينما في غرف العمليات المجاورة ثمة عمليات مؤجلة منذ أشهر وهناك مرضى يموتون صامتين وأطفال ينتظرون قساطر قلبية نساء يلفظن أنفاسهن الأخيرة بسرطان قابل للشفاء ولكن تكلفة العلاج كبيره لأن محدش قادرلأن تكلفة العملية الواحدة التي قد لا تتجاوز خمسين ألف جنيه أصبحت فلكا بعيد المنال بينما ينثر المليار على من يدربون لعبة.
دعونا نجر حسابات المرارة
بمليار ومائتي مليون جنيه كم عملية قلب مفتوح كان يمكن إنقاذها؟ بمتوسط تكلفة ٦٠ ألف جنيه للعملية الحرجة ده علي اقل تقدير يمكن إجراء ٢٠ ألف عملية عشرون ألف إنسان كانوا سيعودون للحياة يضمون أحبابهم يكملون أحلامهم. بدلا من ذلك ذهب المبلغ ليكون هدية لجهاز فني وكأن إنجاز الفوز في مباراة يقارن بإنجاز انتزاع مريض من بين فكي الموت.
وهنا المفارقة التي تقتل مدير المنطقة الطبية الذي لو انهار نظامه الصحي لانهار معه آلاف البشر راتبه لا يشتري حذاء رياضيا لنجم في المنتخب. الرجل الذي يخطط لمواجهة الأوبئة، يدير ميزانيات شحيحة يحاسب على نقص الدواء، ويواسي أمهات الثكالى يوميا ثمنه في ميزان الوطن يساوي ٠.٥٧٪ من راتب مدرب الكرة. نعم نصف في المائة أي أن المجتمع يقول بصوت عال كرامتك أيها الطبيب وعمرك الذي أفنيته في دراسة الطب سنواتك التي قضيتها في أروقة المستشفيات تساوي أقل من واحد في الألف من قيمة شخص يحسن لياقة لاعب
يا قلبي لا تحزن بل انفطر ألما. لأننا حين نصفق لهذه الأرقام الجنونية في الرياضة ونتقبل في صمت إذلال الحراس الحقيقيين لصحتنا فإننا نشارك في الجريمة. نشارك في قتل الحلم داخل طالب الطب الذي يرى مستقبله راتبا لا يسد جوع أبنائه. نشارك في تهجير الكفاءات الطبية للخارج حيث تقدر عقولهم ثم نبكي على نقص الأطباء نشارك في حكاية المريض الذي يبيع أثاث بيته ليجري عملية بينما تدفع المكافآت لمن لا تسيل دماؤهم ولا تسهر أعينهم على أجهزة الإنعاش.
حاولت أن أؤجل النشرخشية أن يفهم الكلام على أنه عداء للرياضة. ليس كذلك الرياضة جمال والمنتخب واجهة وكرة القدم متعة فقير الحياة. لكن متى صارت المتعة تتضخم حتى تبتلع حق الحياة ذاته؟ متى أصبح راتب شهر لمدرب يساوي ميزانية مستشفى كامل لعام؟ متى أصبحت هدية فوز قادرة على بناء عشرين مستشفى ميدانياوتجهيز مئات غرف العمليات وشراء أطنان من أدوية الأورام الغائبة؟
المشكلة ليست في حسام حسن كشخص ولا في الجهاز الفني. المشكلة في منظومة معكوسة القيم تجعل من يرفه أولى بالرعاية ممن ينقذ الارواح بل واولي من الارواح ذاتها منظومة ترى أن الاحتفال بهدف في شباك خصم يستحق جبلا من الذهب بينما الاحتفال بعودة نبض قلب متوقف لا يستحق حتى سريرا جديدا في عناية مركزة.
يا قلبي لا تحزن!
سأحزن وسأكتب وسأصرخ حتى لو كنت وحدي. سأكتب عن طبيب المنطقة الطبية الذي خرج من عيادته بعد يوم مرهق فوجد رسالة على هاتفه من مريض يقول يا دكتور العملية اتأجلت تاني وأنا مش قادر أدفع والوجع بياكل فيا ادعِ لي و دموع هذا الطبيب التي اختلطت بعرقه وهو يقارن بين حسابه البنكي الذي يكفي بالكاد مواصلات الشهر وبين خبر المليار والمائتي مليون الذي يقرؤه على شاشة التلفزيون هي دموع وطن يدفن فيه العدل.
في الموازنة الأخلاقية للأمم لا يقاس التقدم بعدد الكؤوس بل بعدد القلوب التي انتظم نبضها بعد أن توقفت. لا يقاس النجاح بحجم صفقات اللاعبين بل بحجم الضمان الصحي لآخر مواطن في أقصى قرية. نحن اليوم أمة تصب الخزائن في ملاعب الكرةوتترك صفوف المرضى طوابير ألم بلا نهاية. نطبل لمن يلهينا عن واقعناونتجاهل من يحاول إصلاح ما أفسدته السنوات.
لذلك اكتبها بكل قوة
لا والف لا ولو غضب مني العالم ليس من العدل أن يكون طبيبا مدير منطقة طبيه مسؤول عن حياة مئات الآلاف راتبه ١١ ألفابينما راتب مدرب المنتخب مليونان ليس من العدل أن تذهب هدايا بـ ١.٢ مليار جنيه للجهاز الفني،
بينما عمليات مؤجلة ونفقات باهظة محدش قادر عليها ليس من العدل أن ننام ملء جفونناوقد حولنا ابطالنا الحقيقين ا طباء مصر الذين يهزمون كل يوم شبح الموت إلى موظفين من الدرجة الدنيا وأبطال الكرة إلى أنصاف آلهة.
يا قلبي لا تحزن بل اصرخ واعترض على أولويات عكست البوصلة. ثرعلى زمن صار فيه راتب الطبيب صدقة ومكافأة المدرب كنزا. ثر واكتب وقل لهم إن أنقذتم روحا واحدة فأنتم عند الله وفي ضمير التاريخ أعظم ألف مرة ممن سجل ألف هدف في شباك فارغة من الإنسانية.
اليوم أحزن وغدا آمل أن نستيقظ من غفلتنا قبل أن نصل إلى يوم يخلو فيه المستشفى من طبيب لأن كل الأطباء ذهبوا ليتدربوا على ركلات الجزاء فهي التي تطعم الخبز في هذا البلد












القضاء الإداري يحيل دعوى إلغاء قرار منع إطعام الكلاب والقطط بالقاهرة...
السيطرة على حريق أعلى برج سكني بمنطقة فيصل
حبس صانعة محتوى نشرت فيديوهات خادشة للحياء بالجيزة
اليوم.. نظر اليوم نظر استئناف صاحب مركز التجميل على حبسه 3 سنوات...
أسعار العملات الأجنبية في مصر اليوم الأحد
سعر الدواجن اليوم الأحد في الأسواق
أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 10 يوليو 2026
أسعار الدولار والعملات الأجنبية مقابل الجنيه اليوم الجمعة