الإثنين 13 يوليو 2026 03:39 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودي يكتب: سيناء... حين تكون الكلمات أشدَّ ألمًا من الطلقات

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

ليست كل الطلقات تُطلق من فوهة بندقية، فهناك كلماتٌ تجرح أكثر مما تجرح الرصاصات، وهناك شائعةٌ قد تقتل مستقبل أمة، وهناك تحريضٌ قد يهدم ما عجزت المدافع عن هدمه. إن أخطر الحروب ليست دائمًا تلك التي تُخاض بالسلاح، وإنما تلك التي تُدار في العقول والقلوب، فتزرع الشك مكان الثقة، والكراهية مكان المحبة، والفرقة مكان الوحدة.

وما يحدث من صراعات بين بعض أبناء القبائل في شمال سيناء يوجع قلب كل مصري شريف، لأن سيناء ليست مجرد محافظة من محافظات مصر، وإنما هي صفحة ناصعة من تاريخ الوطن، وأرض سالت عليها دماء الشهداء من رجال القوات المسلحة والشرطة، وامتزجت بدماء أبناء القبائل الذين وقفوا كتفًا بكتف دفاعًا عن تراب مصر في مواجهة الإرهاب الأسود.

لقد دفعت سيناء ثمنًا باهظًا حتى تستعيد أمنها واستقرارها، ولم يكن هذا الثمن قليلًا، فقد قدمت مصر رجالًا من خير أبنائها، وقدم أهل سيناء نماذج مشرفة في الوطنية والبطولة، حتى أصبحت القبائل السيناوية شريكًا أصيلًا في معركة الحفاظ على الوطن، ولذلك فإن أي خلاف يقع بين الإخوة لا يحزن أبناء سيناء وحدهم، بل يحزن كل مصري يعرف قيمة هذه الأرض الطاهرة.

إن التاريخ يعلمنا أن أعداء الأوطان لا ينتصرون بالقوة وحدها، وإنما يبحثون دائمًا عن نقاط الضعف داخل المجتمعات، ويحاولون استغلال الخلافات وإشعال الفتن، لأن المجتمع المنقسم يسهل النيل منه أكثر من المجتمع المتماسك. وقد عُرف عن أجهزة الاستخبارات المعادية، وفي مقدمتها الموساد الإسرائيلي، أنها تعتمد على الحرب النفسية، ونشر الشائعات، ومحاولة تأجيج الانقسامات كلما وجدت إلى ذلك سبيلًا. لكن هذا لا يعني الجزم بأن أي حادث بعينه تقف وراءه جهة معينة، فذلك أمر تختص به جهات التحقيق والأجهزة الأمنية، وهي وحدها صاحبة الكلمة الفصل في تحديد الحقائق.

ومن هنا، فإن الواجب الوطني يفرض علينا جميعًا أن نكون أكثر وعيًا، وألا ننساق خلف الشائعات، وألا نسمح لأصحاب النفوس المريضة أو دعاة الفتنة بأن يحولوا الخلاف إلى عداوة، أو العداوة إلى نزيف دم لا يستفيد منه إلا أعداء الوطن.

إن العملاء الحقيقيين لا يظهرون دائمًا بوجوه مكشوفة، بل قد يختبئون خلف كلمات التحريض، أو حسابات مجهولة على مواقع التواصل، أو أخبار كاذبة هدفها إشعال الغضب وإفساد العلاقات بين الإخوة. ولهذا فإن مسؤولية كشف كل من يثبت تورطه في التحريض أو الإضرار بأمن البلاد تقع على عاتق الجهات المختصة، بينما تقع على عاتق المواطنين مسؤولية التحلي بالحكمة، وعدم الانجرار وراء كل ما يُنشر أو يُتداول دون تثبت.

كما تقع على عاتق شيوخ القبائل وكبار العائلات مسؤولية تاريخية في إطفاء نار الفتنة، فهم أصحاب الكلمة المسموعة، وأهل الحكمة والخبرة، وقد أثبتوا عبر عقود طويلة أنهم قادرون على رأب الصدع وإعلاء مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

إن قبيلتي الترابين والتياها، ومعهما جميع قبائل سيناء، يجمعها تاريخ طويل من المواقف الوطنية المشرفة، ومن الشهامة والكرم والنخوة، ولا يجوز أن تُختزل هذه المسيرة العظيمة في لحظة غضب أو خلاف عابر. فالأرض التي جمعتهم في مواجهة الإرهاب يجب أن تجمعهم اليوم على المحبة والوحدة والتسامح.

سيناء لم تكن يومًا أرضًا للفرقة، وإنما كانت دائمًا أرضًا للبطولة، وستظل كذلك بإذن الله. فهي بوابة مصر الشرقية، ودرعها الحصين، وأمانة في أعناق كل المصريين، ولا ينبغي أن تتحول إلى ساحة يفرح فيها المتربصون أو يجد فيها أصحاب الفتن فرصة لتحقيق أهدافهم.

إن الوطن أكبر من أي خلاف، وأغلى من أي نزاع، والتاريخ لا يذكر من أشعل الفتن بخير، وإنما يخلد أسماء الذين أطفؤوها، ومدوا جسور المحبة، وحافظوا على دماء الأبرياء ووحدة الصف.

حسين السمنودي سيناء... حين تكون الكلمات أشدَّ ألمًا من الطلقات الجارديان المصريه