الثلاثاء 14 يوليو 2026 08:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد الشافعي يكتب: الرياضة المصرية: بين سعي الشركات واندثار الهوية الشعبية

الكاتب الكبير محمد الشافعى
الكاتب الكبير محمد الشافعى

تشهد الساحة الرياضية في مصر تحولاً جذرياً يثير الكثير من التساؤلات والتحفظات، وهو ما بات يُعرف بـ "دمج الأندية الشعبية أو استبدالها بأندية الشركات". هذا المسار، الذي يروج له البعض كخيار للاستدامة المالية، يمثل في جوهره تهديداً وجودياً لهوية الرياضة المصرية وضياعاً لإرث المحافظات التي طالما كانت النبض الحقيقي للملاعب.

** تلاشي الهوية: الروح مقابل الأرقام

الأندية الشعبية ليست مجرد مؤسسات رياضية؛ فهي ذاكرة المدن، وملاذ الجماهير، وجزء من النسيج الاجتماعي للمحافظات. عندما يتم استبدال هذه الأندية بأندية "الشركات" التي تفتقر للقاعدة الجماهيرية العريضة، فإننا لا نفقد فقط الحماس في المدرجات، بل نفقد "الهوية".

إن تحويل الرياضة إلى مجرد سلعة تخضع لمعايير الربح والخسارة، والبحث المحموم عن عقود الرعاية والإعلانات، أدى إلى تغليب لغة المال على لغة الانتماء. الرياضة التي كانت يوماً ما وسيلة للترفيه الوطني والتعبير عن الشخصية المحلية، أصبحت الآن رهينة لميزانيات الشركات التي قد ترفع يدها عن النادي في أي لحظة بمجرد تغير السياسات أو اهتزاز الأرباح.

** دور الوزارة والاتحاد: في قفص الاتهام

وأتسائل بكل الاحترام كيف سمحت وزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة بحدوث هذا الانزلاق؟

إن التخطيط الرياضي يجب أن يضع "استدامة الأندية الجماهيرية" كأولوية قصوى. بدلاً من تسهيل تحول الأندية إلى كيانات استثمارية باهتة لا تملك جمهوراً، كان من الأجدر:

• تطوير نموذج إدارة للأندية الشعبية: تمكين هذه الأندية من الاستثمار في أصولها وخلق موارد ذاتية لا تُفقدها استقلاليتها.

• ضبط منظومة الرعاية: وضع تشريعات تضمن توجيه جزء من عوائد الرعاية لدعم الأندية المحافظاتية لضمان بقائها.

** المقترح البديل: "الرياضة الفردية" هي الأحق بالرعاية

بدلاً من إنفاق المليارات في صراعات تجارية بين أندية الشركات التي تتنافس على نفس اللاعبين، لماذا لا يتم توجيه هذه الرعاية إلى الأبطال في الرياضات الفردية؟

إن نزيف المواهب المصرية في ألعاب مثل المصارعة، رفع الأثقال، والسباحة، وهجرتهم للتمثيل تحت أعلام دول أخرى بحثاً عن الدعم المادي، هو "النفق المسدود" الحقيقي الذي يجب أن نلتفت إليه.

** رسالة إلى المسؤولين

بدلاً من "تسيير" أندية الشركات التي لا تضيف للمجتمع الرياضي سوى المزيد من التنافس المصطنع، اجعلوا الشركات ترعى الأبطال الأولمبيين الفرديين .. هذا هو الاستثمار الحقيقي في "القوة الناعمة" المصرية، وهذا هو الطريق الذي يضمن رفع علم مصر في المحافل الدولية بدلاً من أن يرفع اللاعبون أعلام دول أخرى.

** الرياضة المصرية تقف اليوم عند مفترق طرق. إذا استمر التركيز فقط على "المال" و"الإعلانات" على حساب "الجماهيرية" و"الهوية"، فإننا نسير فعلياً في نفق مظلم .. الهوية هي الباقية، والمال وسيلة لا يجب أن يصبح هدفاً يلتهم براءة الرياضة وشغف الجماهير**

محمد الشافعي الرياضة المصرية: بين سعي الشركات واندثار الهوية الشعبية الجارديان المصريه