حكايات مصيرية
الكاتب الصحفي الحسيني عبد الله يكتب : ”هل تعودُ الكرةُ للفقراءِ.. ليصنعوا مجدَها؟”
نعم، تولد الأساطير من رحم المعاناة والفقر؛ فالأحياء البسيطة في كل دول العالم كانت وما زالت المهد الحقيقي للعظماء.
في البرازيل، وُلد "بيليه" (أسطورة القرن العشرين) في حيّ فقير للغاية، وبكى "رونالدينيو" بحرقة بعد فوزه بالكرة الذهبية لأن والده لم يكن يملك يوماً ثمن حذاء كرة قدم! وتلك مجرد لمحات من حكايات نجوم عالميين لم يملكوا في بداياتهم شيئاً، ثم صاروا ملء السمع والبصر.
لكن المفارقة الصارخة في بلدي مصر، أن من يريد ممارسة كرة القدم في نادٍ أو حتى أكاديمية، أصبح لزاماً عليه أن يكون من ميسوري الحال، دون أدنى نظر لموهبته! فالأصل في الحكاية بات مرتبطاً بالقدرة المالية للأسرة، بينما تُحرم الموهبة الحقيقية -عاجزةً عن الاقتراب من أسوار الأندية لقلة ذات اليد- لتموت كمدًا وإحباطًا.
ولعل ما دار في استقبال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لمنتخب مصر عقب العودة من بطولة كأس العالم، وحديثه الملهم حول ضرورة اكتشاف المواهب، يمثل نقطة تحول حاسمة لإعادة رسم خريطة الرياضة المصرية عامةً، وكرة القدم خاصةً؛ لا سيما في وقتٍ غدت فيه الساحرة المستديرة واحدة من أبرز أدوات القوة الناعمة حول العالم.
أزمة الساحرة المستديرة.. حين غابت العدالة وتحدث المال
في الوقت الذي تصدح فيه ملاعبنا بالهتافات، وتتحول كرة القدم من مجرد لعبة إلى قضية "أمن قومي" تلامس مزاج الشارع المصري، تقف الموهبة الحقيقية حائرة على الأعتاب. المفارقة الصارخة اليوم هي أن الكرة التي ولدت من رحم الحواري والأزقة والبيئات البسيطة، باتت تتحدث لغة واحدة لا يفهمها الفقراء: لغة المال والاستثمار التجاري البحت.
فبينما كانت شوارع مصر وملاعبها الشعبية تُقدّم للكرة الأرضية أساطير من طراز محمد صلاح، ومحمود الخطيب، وحسام حسن، تحولت الأندية اليوم إلى "شركات استثمارية مغلقة" ترفع شعار "ادفع لكي تلعب"، مما يحرم المواهب الفذة التي لا تملك قوت يومها من مجرد فرصة خوض اختبارات المرور.
التوجيه الرئاسي: خارطة الطريق لـ "مئة مليون موهبة"
لقد وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي يده على الجرح النازف للكرة المصرية؛ ففي لقائه الشهير مع لاعبي المنتخب الوطني، لم يكن الحديث مجرد بروتوكول تهنئة، بل كان دستوراً رياضياً جديداً حين قال:
"مصر مليئة بالمواهب، ولدينا أكثر من 100 مليون مواطن.. من غير المقبول ألا نجد بينهم عشرات المحترفين على طراز عالمي. يجب أن نذهب للمواهب في كل قرية ونجع، وأن نرعاهم رعاية كاملة دون حواجز مادية."
هذا التوجيه الرئاسي يمثل "الضوء الأخضر" لتفكيك المنظومة التقليدية العاجزة، وإعادة صياغة فلسفة اكتشاف المواهب لتكون قائمة على الاستحقاق والعدالة وتكافؤ الفرص، بدلاً من القدرة المادية للأسرة.
تشخيص الداء: كيف تحول "الاستثمار" إلى عقبة؟
لتطبيق التوجيهات الرئاسية على أرض الواقع، لا بد أولاً من تشخيص الأزمة بمكاشفة وصراحة:
أكاديميات "السبوبة": تحولت قطاعات الناشئين في كثير من الأندية إلى منافذ تجارية بحتة؛ حيث يُقبل الطفل بناءً على قدرة والده المادية على دفع الاشتراكات الباهظة، لا على مهارته الكروية.
غياب "الكشاف" التقليدي: اختفت ظاهرة "كشاف المواهب" الذي كان يجوب الأقاليم والقرى بحثاً عن الجواهر الخام التي تلعب حافية الأقدام، وحل محله إداري يجلس خلف مكتبه ينتظر من يدفع رسوم استمارة الاختبارات.
مأساة الموهبة الفقيرة: الطفل الأكثر مهارة في مصر اليوم غالباً هو الأكثر احتياجاً، وهو عاجز تماماً عن شراء حذاء رياضي، فكيف له أن يدفع آلاف الجنيهات كاشتراك سنوي في أكاديمية نادٍ شهير؟!
الروشتة البديلة: كيف نحول الاستثمار من "جباية" إلى "صناعة وتصدير"؟
الاستثمار في كرة القدم ليس عيباً، بل هو لغة العصر، لكن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار "في" الموهبة وليس "على حساب" الموهبة. وإليكم خريطة الطريق لإعادة قطار المواهب إلى مساره الصحيح:
1. إعادة تعريف "الاستثمار الرياضي" للأندية
الاستثمار الذكي لا يعني تحصيل أموال من ناشئ متواضع الفنيات لتمويل النادي. الاستثمار الحقيقي هو تبني موهبة خارقة من بيئة فقيرة مجاناً، وتوفير الرعاية الصحية والغذائية والتعليمية لها، ثم تسويقها بملايين الدولارات خارجياً (كنموذج محمد صلاح ومصطفى محمد). النادي الذي يدفع فيه الناشئ ليلعب هو نادي هواة، أما النادي الاستثماري الحقيقي فهو من يستثمر في اللاعب ليجني الأرباح لاحقاً.
2. إطلاق "قوافل كشف المواهب الوطنية"
تفعيلاً للتوجيهات الرئاسية، يجب إطلاق مشروع قومي تشترك فيه وزارة الشباب والرياضة مع الأندية الكبرى، لعمل مسوح ميدانية مجانية بالكامل في مراكز الشباب بالقرى والنجوع والأقاليم، مع إعفاء أبناء الأسر الأكثر احتياجاً من أي رسوم اختبارات.
3. تأسيس "صندوق الموهبة الرياضية السيادي"
تأسيس صندوق وطني لدعم ورعاية المواهب الناشئة من غير القادرين ماديًا، يتولى التكفل بمصاريف انتقالهم، وإقامتهم، وتدريبهم في الأكاديميات الكبرى، لضمان ألا تضيع موهبة واحدة بسبب الفقر.
4. رقابة صارمة وحد أقصى لرسوم الأكاديميات
يجب على وزارة الشباب والرياضة بالتعاون مع اتحاد الكرة فرض "كود أخلاقي وقانوني" يمنع الأندية من تحويل قطاعات الناشئين إلى مشاريع تجارية بحتة، بل لا يجب علي هذة الأندية تبني وتخصيص مقاعد قطاع الناشئين مجاناً للمواهب الاستثنائية غير القادرة ماديًا.
أخيرنستطيع القول وبالفم المليان.
إن أقدام الحفاة في ملاعب التراب بقرى مصر تخبئ خلفها "كأس عالم" حقيقي ينتظر من يكتشفه. إن تطبيق توجيهات القيادة السياسية بالاهتمام بالمواهب ليس رفاهية، بل هو طوق النجاة لعودة الرياضة المصرية إلى ريادتها وتوهجها.
الكرة يجب أن تعود للفقراء الذين يصنعون مجدها، والاستثمار الحقيقي هو الذي يبدأ بتبني الموهبة مجاناً ليتوج برفع اسم مصر عالياً في المحافل الدولية، وبأرباح خيالية تدعم الاقتصاد الرياضي الوطني.












اليوم.. نظر استشكال منى عبود على تنفيذ حكم حبسها 3 سنوات في...
التفاصيل الكاملة لجلسة محاكمة صبري نخنوخ فى قضية استعراض القوة بمعرض التجمع
تأجيل استئناف تشكيل عصابي متهم باستعراض القوة وإصابة شخصين في المرج
9 أغسطس، المحكمة الدستورية تنظر دعوى تطالب بعدم دستورية تعديلات قانون الإيجار...
أسعار الفراخ والبانيه اليوم الأربعاء بالأسواق
أسعار الذهب اليوم الأربعاء 15 يوليو 2026 في مصر
انخفاض أسعار الذهب اليوم في محلات الصاغة وعيار 21 يسجل 5875 جنيها
سعر الدولار اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2026 في البنوك.. ارتفاع جديد أمام...