الأربعاء 15 يوليو 2026 09:42 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عبدالسلام بدر يكتب: كيف نقنع النشئ بأهمية العلم ..!!

الكاتب الكبير عبدالسلام بدر
الكاتب الكبير عبدالسلام بدر

ترسم الأسرة صورة مشرقة وردية اللون لمستقبل أبنائها عندما تدخلتهم المدارس يتلقّون التعليم بعقول منفتحة ، ووجوه مستبشرة ، وعيون مبتسمة يملؤها الأمل ينشدون في طابور الصباح : " بلادي . بلادي . بلادي .. لكِ حبي وفؤادي "... ويرددون أغاني التعبير عن علاقتهم ببلدهم : " مصر هىّ أمي .. نيلها هوه دمي . شمسها في سماري شكلها في ملامحي " .. ومن الملايين المحبين لبلدهم المتطلعين للمستقبل الوردي شابين جامعيين ظهرا على إحدى القنوات التليفزيونية الأول تخرّج من كلية الآثار بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف ، يعمل بعد تخرجه ( عامل تسليك مجاري ) بدلاً من أن يعمل في التنقيب عن الآثار في الصحراء .. والشاب الثاني تخرّج من كلية العلوم بتقدير جيد جدا واضطر أن يعمل ( عامل محارة ) بدلا من الوقوف في المعمل بين انابيب الاختبار
والميكروسكوب . والشابان ينتمي كل منهما إلى أسرة فقيرة تصارع من أجل الحصول على لقمة العيش الشريفة . ولكن بإرادة قوية وصبر شديد على قسوة الحياة وحرمان الأسرة حصل كل منهما على مؤهله العالي من التخصصات الصعبة . وهذان النموذجان يوجد منهما آلاف العاطلين أو من يعمل في مجالات لاتتناسب مع تخصصاتهم حتى وإن كانوا يمتهنوا مِهناً شريفة يحتاجها المجتمع . ولكن لماذا كانت إذاً سنوات التعليم المُكَلِف للدولة والمُرهِق لأولياء الأمور .!!!
ولو أتيحت لي الإلتقاء بهذين الشابين لوجهت سؤالين لكل منهما .
السؤال الأول :
صِف لي شعورك وأنت تشاهد نجوم المنتخب بعد مباريات كأس العالم ( التى لم يحصلوا عليه فيها ) يلتقون بالمسئولين وكبار رجال الأعمال . و حُشِدَ لكلُ منهم في بلدته استقبال شعبي هائل لا نراه إلاّ للفاتحين للأقطار والعائدين بنصرٍ حربيٍ مُؤزَّر ، تنهال عليهم المِنَح والهدايا في صور عديدة ( مبالغ مالية كبيرة _ شاليهات _ سيارات _ شقق سكنية ...الخ ) ولقاءات تليفزيونية بمقابل مادي خيالي ؟
والسؤال الثاني :
هل شعُرتَ بالندم لأنك لم تترك التعليم وتتجه إلى لعب الكرة ؟ السؤال بصيغة أخرى : هل قُلتَ لنفسك " لو أني أعرف خاتمتي ماكنت بدأت ؟ "
أما السؤال الثالث :
فهو مُوَجَّه لمصر بأكملها شعباً وحكومة : ماذا تريدين يامصر من أبنائك ؟ أهو النبوغ في العِلْم والبحث والعمل من أجل البناء والتطور ؟ أم المهارة في اللعب والغناء من أجل المتعة والبهجة ؟ .. أم تريدين الجَمْع بين الجِدِّ واللعب كباقي الدول المتقدمة ؟
وإن كان الخيار الثالث هو الأفضل فما هو المقابل في كل الأحوال ؟ .. هل بضياعِ المُبْدِعُ علمياً وتشريده بين المجاري والأسمنت في الوقت الذي يحظىٰ فيه اللاعب بالتكريم و بلقاء المسئولين وحصوله على ما لايندرج تحت قائمة أحلامه أو حتى أحلام ٱهله . أليس من الطبيعي أن يُنْظَر إلى الإبن الذي لا يجتهد في التعليم أنه ( واد لِعَبي ومِشْ نافع ) . فهل تبدّلت الأحوال وأصبحت كما يمكن تصويرها " كاريكاتيرياً " أبٌ يتوسل إلى إبنه قائلا : " أبوس إيدك يابني سيب المذاكرة وانزل إلعب كورة شوية " ..؟
لا أريد أن أقلل من قدر الفرحة ( الناقصة التي لم يحقق المنتخب فيها فوزاً كاملاً ) فمصر تتعطش إلى السعادة ويشتاق شعبها الى البهجة .. غير أن دمعة حارة على خَد أحد الشابين ( السباك أو عامل المحارة ) عند سؤاله : لماذا اضطررت لهذا العمل ؟ فيجيب : " علشان أساعد أهلي أصحاب الفضل على اللي تعبوا معايا كتير " .. حين تنظر لوجه الشاب الممتلئ حيوية وترىٰ نظرةَ اليأس في عينيه والشعور بالإحباط يسيطر عليه لا تستطيع أنت الآخر أن تمنع دموعك . لاسيّما إن كنت منذ قليل قد شاهدت ربما على نفس القناة العُرس المُقام لنصر في لعبٍ ولهو .فما هو إلا مجرد فوز في ضرب الكرة بالأرجل ولله در " شوقي " حين قال على لسان كليوباترا :

نصرٌ في فمِ الأماني حُلوٌ
ليتَ لنا مٌنهُ قُلامَةَ ظُفر ِ..

. وربما تكون دموعك أكثر حرارة إن تلمّست بأصابعك موضع إصابة في قدمك أو ذراعك من طلقة أو شظية رماك بها العدو غدراً لو كنت من أبطال حرب أكتوبر 73 ولم تستطع الحصول على ( كارنيه ) تركب به المترو .. أو كنت ممن عمل بالحكومة سنوات عمره وأحيل إلى المعاش ويستعصي عليه شراء الدواء لأمراض الشيخوخة لقلة مبلغ المعاش .
والحديث عن الكثير من صور المعاناة يطول . ويُحزن .. .
ولكن ما أرجوه هو أن يكون تعبيرنا عن فرحتنا وسعادتنا مساوياً لما يتحقق من فائدة للبلد تُسهِم في تقدمه ، فلا بأس أن نلعب . ونربح . ونفرح ونبتهج . ولكن مع مراعاة مشاعر وأحاسيس من لا يجيدون اللعب ..

عبدالسلام بدر كيف نقنع النشئ بأهمية العلم ..!! الجارديان المصريه