الإعلامى الكبير محمد جراح يكتب: كهربا ناشفة (قصه قصيره)
على جانب من الطريق الموازي لضفة النيل رأيته واقفاً في انتظار سيارة تنقله إلى الضفة الأخرى للنهر العتيق، عرفته من وجهه على الرغم من أنحسار الشعر عن مقدمة رأسه، وتسلل الشيب على ما تبقى منه؛ وقد تعفر بالتراب.
بدا في سمنة كبار السن، وبكرش شيخ يميل قليلاً إلى الأمام؛ ويكبحه قميصه الكاروهات الذي ظننت من ألوانه أنه لم يبدله منذ كان شاباً يجوب بدراجته "الرالي" شوارع البلدة؛ ويعلق على "الجادون"(1) شنطة العدة الصغيرة؛ والتي لا تتسع إلا لمفك "التيست"، والبنسة؛ والقصافة؛ وشريط اللحام.
توقفت متشككاً ألا يكون هو، فأشرت له متحرجاً؛ ففتح الباب على الفور؛ وأخذ مكانه مبتسماً على الكرسي الذي بجانبي.
سنوات كثيرة كانت قد مضت عندما عرفني أحدهم عليه؛ فتولى تأسيس وتنفيذ كل ما يتعلق بشأن تمديدات الكهرباء في شقتي التي لم أُبدِّلها منذ زواجي، شكرني مبتسماً فتشككت فيه أكثر، ظننته أنه قد يكون أخاه، أو واحداً آخر يشبهه، قلت له حتى أزيل عني كل التباس: أنا أعرفك من وجهك ولكنني لا أتذكر اسمك؟!.
نظر لي لائماً وقال ممتعضاً: هل نسيتني؟، أنا حسن.
قلت على الفور حسن الكهربائي؛ فرد بصوت معاتب: وهل نسيت أنني من توليت أمر شقتك، ونفذت لك كل ما طلبته وأضفت عليه من تمديدات الكهرباء في الأسقف والحوائط؟.
قلت ، من المستحيل أن أنسى ، ولكن ما لحق بهيئتك من تغيير هو ما جعلني أتشكك فيه، ظننتك شقيقاً لحسن، أو شبيهاً به؛ فسألتك عن اسمك اختباراً لنفسي، ولرفع الحرج عنك إذا كنت لا تعرفني!.
ابتسم من جديد وهو يقول: تصور ...؛ حسن الكهربائي في أزمة مع الكهرباء!.
قلت: خير ماذا حدث لك من الكهرباء؟.
قال بحزن وتسليم: أعيش أزمة كل الناس، الحكومة غيرت نظام العدادات؛ والشركة سعَّرت بما يفوق طاقة الناس؛ على الرغم من عدم مخالفتي، فبيتي قديم ويدل عليه عقد شرائه، كما أن تواريخ تركيب العدادات تسبق كل التواريخ التي أعلنوا عن مخالفتها!.
كنت أعرف المشكلة وأبعادها؛ والحيل التي ساقها المسئولون من الحكومة لاستنزاف الناس الذين أوقعهم حظهم العثر في تركيب تلك العدادات التي تحمل اسم العدادات الكودية ولا يسري فيها التيار إلا بالدفع المسبق كما هو الحال في أجهزة التليفون المحمول؛ ويتحكمون في توجيهها عن بعد!. ابتسمت ممتعضاً؛ وأنا أتذكر مسعد زميلي في الفصل لما وقف على الدكان؛ وطلب من قريبه البقال بقرش كهرباء ناشفة، كان البائع مستعداً فأجابه بعصا كان يخبأها أسفل الحاجز الذي كنا نسميه بالبنك؛ فشجت له رأسه وتدفق منه الدم؛ فصرخ مسعد يجري باتجاه بيته وعاد بأهله الذين أهانوا الرجل؛ ودمروا الدكان.
مضت أيام حتى رأيته من جديد يقف على الضفة الأخرى من النهر، أوقفت سيارتي؛ وانتظرت أن يأتي؛ لكنه لم يتحرك من مكانه، استدعى الأمر أن أعود بالسيارة إلى الوراء حتى يراني، أشرت له وأنا أصيح عليه باسمه، نظر لي مستريباً؛ ثم تقدم وفتح الباب الخلفي؛ وجلس ينفخ الهواء زفيراً لافحاً.
أثارتني فعلته؛ وودت لو أوقفت السيارة وأنزلته؛ فلا يليق بي أن أتحول في لحظة إلى سائق له، لكنني تحرجت مبرراً لنفسي أن المسافة قصيرة؛ وأنني لن أفعلها معه مرة أخرى حتى لو أشار لي بكلتا يديه، أو رمى بجسده أمام السيارة!.
سألته لماذا لا يتحدث، وماذا فعل لحل مشكلته مع الكهرباء فنظر لي متأملاً ولم ينطق بكلمة!. عاودت فخاطبته باسمه؛ فانتبه مندهشاً: حضرتك تعرفني؟!. ظننته يمزح معي على غير العادة؛ فسألته مندهشاً: مالك يا حسن؟!.
قال مؤكداً وهو يشير إلى صدره: أنا حسن ولكنني لا أعرفك!، وإذا كنت قد توقفت من أجلي؛ فجميلك لا يعطيك أي حق لتخاطبني باسمي مجرداً مما يجب أن يسبقه؛ كما أنك لا تراعي فارق السن فما بيننا!.
عاودت ممتعضاً: كفاك مزاحاً يا أخي؛ وأخبرني هل انتهت أزمتك مع الكهرباء؟.
نظر لي من جديد قائلاً: لماذا لا تصدقني، أنا لا أعرفك ولا أتذكر أنني التقيت بك من قبل؛ فكيف تتحدث في شأن من شئوني؟!.
قلت له: هل فعلاً تقصد كلامك؟، هل نسيتني بمثل هذه السرعة؟!. فقال: ومتى عرفتك حتى أنساك، ومضى يعلل: إنني أراك للمرة الأولى؛ ولولا أنك توقفت وخاطبتني باسمي؛ ما كنت قد ركبت مع شخص غريب مثلك!. قلت له يكفي ما مازحتني به؛ وأجدت تمثيله؛ هيا أخبرني؛ ماذا فعلت مع الكهرباء الناشفة؟!.
انزعج وقطب جبينه وعلا صوته قائلاً: من جديد أقول لك أنني لا أعرفك حتى أمزح معك!.
ذكرته بموضوع بيته؛ وبالعدادات الكودية؛ وبعدم مقدرته على إجابة الحكومة إلى طلباتها وأوراقها ورسومها فقال لي إن كل ما أقوله صحيح؛ ولكنه لا يتذكرني ولا يعرف من الذي أخبرني بسره؛ وأردف مستفهما: هل أنت من موظفي شركة الكهراباء، أم أنك من موظفي الحي؟.
قلت له لست من هؤلاء أو أولئك، ولكنني صاحب الشقة التي أنجزت لي تمديداتها في يوم بعيد ، وأنت من أركبته سيارتي في الأسبوع الماضي، وأنت من حكيت لي ما أسألك عنه الآن، فعاد ليصدمني بقوله إنه هو حسن بالفعل؛ ولكنه لم يعد كهربائياً منذ عاد من غربته؛ واشترى بيته، واستأجر دكان عم على الله البقال؛ وان مكسبه من ماكينة شحن كروت الكهرباء تفوق بكثير مكاسبه من شتى صنوف البقالة، وأنه يفكر أن يقصر عمله على شحن كروت الكهرباء وتجديد باقات المحمول، تذكرت في تلك اللحظة كروت شحن عدادات الكهرباء القابعة في جيب جاكت البدلة، وكنت قد اتخذت قراري بإنزال من لا يعرفني، لكنني عدت فتراجعت معللاً: المسافة قصيرة؛ ولن أتوقف له مرة أخرى!.












إحالة أوراق مندوب مبيعات للمفتي لاتهامه بقتل شقيقته مع سبق الإصرار بالقناطر...
تفاصيل التعدي على صاحب مطعم بالمنصورة وتهديده بحرق محله
ضبط المتهمين في واقعة التعدي على أسرة بميت غمر بالدقهلية
اليوم.. الحكم في استئناف أحمد دومة على حبسه سنة بتهمة نشر أخبار...
سعر الذهب في نهاية تعاملات الأربعاء 15 يونيو 2026..
أسعار الفراخ والبانيه اليوم الأربعاء بالأسواق
أسعار الذهب اليوم الأربعاء 15 يوليو 2026 في مصر
انخفاض أسعار الذهب اليوم في محلات الصاغة وعيار 21 يسجل 5875 جنيها