الإثنين 20 يوليو 2026 02:21 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب: العقار ليس اقتصادا ..عندما تجمد الثروة داخل الجدران

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

ليست المشكلة أن تبنى مدنا جديدة فالعمران أحد أهم مؤشرات التقدم والدولة المصرية تمضى بالفعل فى تنفيذ رؤية عمرانية غير مسبوقة , أنشأت من خلالها عشرات المدن الجديدة ووفرت ملايين الوحدات السكنية وأعادت رسم الخريطة العمرانية لمصر بما يخدم أهداف التنمية لعقود قادمة .
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العقار من وسيلة للتنمية الى غاية فى حد ذاته وعندما تصبح المضاربه على الوحدات السكنية أكثر ربحا من إنشاء مصنع أو استصلاح أرض أو تأسيس شركة تكنولوجية .
تشير التقديرات الى أن عدد شركات التطوير العقارى فى مصر تتراوح ما بين 1800 الى 2500 شركة, فيما قدرت غرفة التجارة الامريكية حجم الاستثمارات العقارية بنحو 517 مليار دولار خلال عام 2025 بينما حققت أكبر عشر شركات تطوير عقارى مبيعات تقترب من 290 مليار جنيه .
قد تبدو هذه الارقام دليلا على قوة الاقتصاد المصرى لكنها فى الوقت نفسه نطرح سؤالا أكثر أهمية كم مصنعا كان يمكن أن يبنى بهذه الاموال؟ كم فرصة عمل كان يمكن ان تخلق ؟ وكم مليار دولار كان يمكن ان تضيفه هذه الاستثمارات الى الصادرات المصرية ؟
إن الاقتصاد لا يقاس بحجم الاموال التى تتداول بين المستثمرين وإنما بحجم القيمة الجديدة التى يضيفها للإنتاج , فالمصنع ينتج سلعة ويوفر وظائف ويولد صادرات ويخلق سلسلة كاملة من الصناعات المغذية والمزرعة التى تنتج غذاء وتقلل فاتورة الاستيراد وتدعم اللأمن الغذائى أما السياحة فتجلب عملة اجنبية مباشرة والتكنولوجيا تصنع مستقبلا قائما على المعرفة والإبتكار .
أما العقار فعندما يتحول الى وعاء للإكتناز فإنه يجمد مليارات الجنيهات داخل جدران مغلقة ويخلق ثروة ورقية ترتفع قيمتها على الشاشات بينما لا تضيف شيئا الى الإنتاج الحقيقى
لقد اصبحنا نسمع عن شقق تباع بعشرات الملايين ثم تظل مغلقة لسنوات طويلة انتظارا لإرتفاع أسعارها إنها اموال خرجت من دورة الإنتاج وتحولت الى أسمنت ينتظر مزيدا من التضخم .ولا يعنى التقليل من اهمية قطاع العقارات فهو قطاع حيوى يحرك عشرات الصناعات ويوفر فرص عمل واسعة . لكن استمرار تضخم الاستثمار فيه على حسابات القطاعات الإنتاجية يخلق اختلالا فى هيكل الاقتصاد ويجعل النمو قائما على المضاربة أكثر من اعتماده على الإنتاج .
إن الدول لا تصبح غنيه بكثرة الأبراج وإنما بكثرة المصانع ولا تقاس قوتها بعدد الكومباوندات بل بعدد المنتجات التى تحمل إسمها فى الاسواق العالمية .
لقد أن الأوان لإعادة ترتيب أولويات الاستثمار بحيث تتجه رؤوس الأموال الى حيث تصنع الثروة الحقيقية لا حيث تخزن الأموال فى صورة عقارات مغلقة .
فالمستقبل لاتبنيه الأبراج وحدها بل تبنيه المصانع والمزارع ومراكز البحث العلمى وشركات التكنولوجيا والعقول التى تحول رأس المال الى إنتاج والإنتاج الى قوة اقتصادية والقوة الاقتصادية الى وطن أكثر ازدهارا واستقلالا .

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة العقار ليس اقتصادا ..عندما تجمد الثروة داخل الجدران الجارديان المصريه