الأربعاء 29 يوليو 2026 01:58 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاتة زكريا يكتب: الاقتصاد بلغة المواطن

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

لا يبدأ الاقتصاد في قاعات المؤتمرات ولا ينتهي عند شاشات البورصة ولا يختزل في نسب النمو أو مؤشرات التضخم أو بيانات الموازنات العامة. الاقتصاد الحقيقي يبدأ كل صباح عندما يفتح رب الأسرة باب منزله متجهًا إلى عمله وعندما تضع الأم قائمة احتياجات البيت وهي تحاول أن توفّق بين ما تتمناه وما تسمح به الإمكانات وعندما يبحث شاب عن فرصة عمل تمنحه بداية مستقرة أو يحلم صاحب مشروع صغير بأن يوسع نشاطه دون أن تثقل كاهله التكاليف.
لهذا فإن الاقتصاد لا ينبغي أن يكون لغة مغلقة لا يفهمها إلا الخبراء بل يجب أن يتحول إلى خطاب قريب من الناس لأن المواطن ليس مجرد متلق لنتائج السياسات الاقتصادية بل هو طرف رئيسي في نجاحها أو تعثرها. وكلما شعر المواطن بأنه يفهم ما يحدث ولماذا يحدث وما الذي ينتظر منه أصبحت قدرته على التفاعل مع الإصلاح أكبر وثقته في المستقبل أعمق.. ولسنوات طويلة ارتبط الحديث عن الاقتصاد بالأرقام والجداول والرسوم البيانية حتى بدا وكأنه عالم منفصل عن الحياة اليومية. لكن الحقيقة أن الاقتصاد ينعكس في تفاصيل بسيطة قد لا نلتفت إليها كثيرا في سعر رغيف الخبز وتكلفة المواصلات وفاتورة الكهرباء وأسعار الدواء وإيجار المسكن وفرصة العمل وجودة التعليم وكفاءة الخدمات العامة. هنا فقط يترجم المواطن معنى السياسات الاقتصادية، لا في التقارير الرسمية بل في أثرها المباشر على حياته.. ولذلك فإن نجاح أي برنامج اقتصادي لا يُقاس فقط بما يحققه من مؤشرات إيجابية وإنما أيضا بقدرته على أن ينعكس على حياة الناس بصورة ملموسة. فحين يشعر المواطن بتحسن الخدمات أو باستقرار الأسعار أو بتوافر فرص العمل فإنه يدرك أن الأرقام التي يسمعها ليست مجرد بيانات بل واقع يلمسه ويعيشه.. ولا شك أن الاقتصاد العالمي يمر منذ سنوات بتحديات غير مسبوقة. فقد تركت الأزمات الدولية والاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة والغذاء، آثارا امتدت إلى معظم دول العالم ولم تكن أي دولة بمنأى عنها. وأصبح الحفاظ على التوازن الاقتصادي مهمة أكثر تعقيدا تتطلب قرارات دقيقة وقدرة على التكيف مع متغيرات سريعة لا يمكن السيطرة على كثير منها. وفي مثل هذه الظروف يصبح من الضروري أن تُدار الملفات الاقتصادية بشفافية وأن تصل المعلومات إلى المواطن بلغة واضحة. فالغموض يفتح الباب للشائعات بينما تخلق المعلومة الدقيقة مساحة للفهم والثقة. والمواطن لا ينتظر وعودًا مثالية بقدر ما ينتظر تفسيرا صادقا لما يحدث وخطة واضحة لما هو قادم.. كما أن الاقتصاد ليس مسؤولية الحكومة وحدها بل هو مسؤولية مشتركة. فالإنتاج والإتقان وترشيد الاستهلاك وتشجيع الصناعة المحلية ودعم ريادة الأعمال والالتزام بدفع الضرائب ومحاربة الاحتكار كلها حلقات في منظومة واحدة. وإذا اختلت حلقة منها تأثر الأداء العام مهما كانت السياسات قوية.. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الحجر. فالعامل المدرب أكثر إنتاجية والطالب الذي يتلقى تعليما جيدا يصبح عنصرا فاعلا في سوق العمل والباحث الذي يجد بيئة تشجع الابتكار يضيف قيمة للاقتصاد الوطني. فالثروة الحقيقية لأي دولة ليست فقط في مواردها الطبيعية بل في عقول أبنائها وقدرتهم على الإبداع والعمل.. وفي الوقت نفسه لا يمكن إغفال أهمية العدالة الاجتماعية بوصفها شريكا للإصلاح الاقتصادي. فالتنمية التي لا يشعر بها المواطن في حياته اليومية تظل ناقصة مهما بدت أرقامها جيدة. ومن هنا تأتي أهمية توجيه الدعم إلى مستحقيه وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية وتوفير خدمات تعليمية وصحية جيدة بما يضمن أن تكون ثمار النمو أكثر اتساعا وعدالة.. ويظل القطاع الخاص شريكا أساسيا في أي نهضة اقتصادية. فكل مصنع جديد يعني فرص عمل إضافية وكل مشروع ناجح يفتح أبوابا للاستثمار وكل بيئة أعمال مستقرة تشجع على الإنتاج والتوسع. لكن نجاح هذا الدور يتطلب مناخا يتسم بالوضوح وتبسيط الإجراءات وتحقيق المنافسة العادلة بما يخلق الثقة لدى المستثمر ويضمن في الوقت نفسه حماية حقوق المستهلك.. كما أن الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة في تبسيط المفاهيم الاقتصادية. فبدلا من الاكتفاء بنقل الأرقام ينبغي أن يشرح معناها وتأثيرها على حياة الناس. وعندما يصبح المواطن قادرا على فهم معنى التضخم أو أسباب تغير سعر الصرف أو أهمية زيادة الإنتاج والصادرات فإنه يتحول من متابع للأحداث إلى شريك واع في مواجهة التحديات.
إن بناء اقتصاد قوي لا يحدث بين ليلة وضحاها بل هو رحلة طويلة تحتاج إلى رؤية واضحة وسياسات متوازنة وصبر مجتمعي وعمل متواصل. والطريق قد يحمل صعوبات لكن الدول التي نجحت في تحقيق نهضتها الاقتصادية لم تصل إليها بالقفز على التحديات بل بمواجهتها والتعلم منها والاستمرار في الإصلاح.. وفي النهاية يبقى الاقتصاد أكثر من مجرد أرقام تعلن في نهاية كل عام أو تقارير تنشر على صفحات الجرائد. إنه قصة حياة ملايين المواطنين الذين يحلمون بفرصة أفضل ودخل أكثر استقرارا وخدمات أجود ومستقبل يفتح أبوابه للأبناء.. وعندما تصبح لغة الاقتصاد مفهومة للمواطن ويصبح المواطن حاضرا في قلب السياسات الاقتصادية تتحول الأرقام إلى واقع والخطط إلى إنجاز والطموحات إلى مستقبل أكثر استقرارا. فنجاح الاقتصاد لا يقاس فقط بما تحققه الدولة من مؤشرات وإنما بما يشعر به المواطن من طمأنينة وما يلمسه من تحسن في جودة حياته لأن الإنسان سيظل دائما هو الهدف الأول لكل تنمية وهو المعيار الحقيقي لنجاح أي اقتصاد.

شحاته زكريا الاقتصاد بلغة المواطن الجارديان المصريه