الأربعاء 29 يوليو 2026 01:57 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (16)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

في عام 1945 من القرن الماضى ، اعتمدت الأمم المتحدة ميثاقا دوليا يلزم الدول
باتخاذ التدابير اللازمة لصون حقوق الإنسان ، وحماية الحريات الأساسية كحق
أصيل لا يجوز المساس بها ، وهي مكفولة للأفراد ، والجماعات دون تمييز على أساس العرق ، أو الجنس ، أو الجنسية ، أو اللغة ، أو الدين ، أو أي وضع آخر ،وتشتمل هذه الحقوق ، في الحق "في الحياة والحرية ، والتحرر من التعذيب ،
والعبودية ، كما تكفل حرية الرأي ، والتعبير ، والحق في العمل ، والتعليم ، وغيرها من الحقوق الأخرى" التي تضمن الكرامة ، والعدالة للجميع على قدم
المساواة ، دون استثناء ، أو تمييز لأحد .. يقول خبراء القانون الدولى "يُعدّ
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان محطة فارقة في مسيرة حقوق الإنسان ، وقد
شارك في صياغته ممثلون من خلفيات قانونية ، وثقافية متنوعة من مختلف
أنحاء العالم" ويقولون أيضا "لقد تُرجمت هذه الوثيقة إلى أكثر من 500 لغة ،وهي الوثيقة الأكثر ترجمة في العالم" وهذا بلا شك جهد مشكور ، وسعىّ مأجور ، ويدل على قمة التمدن ، والتحضر للأمم المتحدة .. ولكن إذا بحثنا قليلا ، وقلّبنا
صفحات التاريخ لوجدنا أن هذه الوثيقة لم تأت بجديد ، بل كانت موجودة بالفعل
في حقبة تاريخية لا تصدق على الإطلاق ! حيث كان العالم بأسره يعيش فيها تحت وطأة الظلم ، والاستعباد ، والاضطهاد ،الدينى ، والفكرى ، والعرقى ،والجنسى ، بل وتفضيل فئة دون أخرى ، وتمييز جنس على آخر ، وذلك بشهادة
المؤرخين .. لكن كان هناك نورا يشع من مدينة تدعى "يثرب" ولعل سبّابتك تشير الآن إلى عهد رسول الله ﷺ نعم إنها هي الحقبة المضيئة في العالم كله دون
استثناء ، بل كانت البذرة الأولى الحضارية لشجرة التمدن ، والمساواة في حقوق الأفراد ، والجماعات التي استظل تحتها بعد ذلك ، كل إنسان على ظهر تلك
المعمورة ، بل يتمتعون بظلها ، وثمارها .. وحتى لا يكون الكلام مرسلا ، يجب
أن أضع على الطاولة بعض النماذج ، والأدلة كى نتعرف على تلكم الشخصيةالمحمدية التي وضعت للعالم أسس التقدم ، والتمدن في كل مجالات الحياة ، ولا
سيما في مجال المساواة بين جميع الناس ، واقرأ إن شئت ما أعلنه ﷺ على الملأ ، فقال ﷺ "لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من تراب" أي أن الناس جميعا في نظره ﷺ سواسية فى جميع الحقوق ،
والواجبات ، فمن حق كل شخص أن يعيش في هذا الكوكب بأن يتساوى مع أخيه الإنسان في جميع الحقوق ،والواجبات ، فلا يجوز على سبيل المثال إجبار أحد لاعتناق دين لا يرغبه ، أو مذهب لا يريده ، وفقا لما تلاه الرسول ﷺ لقول خالقه
، فقال "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين" فما هذا التحضر ، وذلكم التقدم ؟ ! ومن الشواهد العملية أيضا ، أن بلالا الحبشىّ الأسود البشرة ، قد أصبح مسئولا إعلاميا خاصا للرسول ﷺ في قسم الدعوة للإعلان عن فريضة الصلاة للناس ، وأصبح سلمان
الفارسي الجنسية ، مسئولا فى غرفة العمليات مع الرسول للدفاع عن المدينة المحاصرة بعشرة آلف من جنود التحالف ، واقترح على الرسول ﷺ بحفر الخندق .. كما أن الرسول ﷺ قد استأجر في هجرته إلى المدينة المنورة دليلا "عبد الله
بن أُرَيْقِط" لأنه كان ماهرا بالطرق الغير المعتادة ، بالرغم أنه لم يكن معتنقا
للإسلام ، بل كان على دين قريش .. كما أن الرسول ﷺ استخلف سيدنا عبد الله بن أم مكتوم على المدينة المنورة في غيابه عدة مرات تجاوزت عشر مرات ،
بينما كان سيدنا عبد الله بن أم مكتوم أعمى البصر ! ولكن الرسول ﷺ قد استثنى طائفة من الناس يتميزون عن غيرهم في الآخرة ، وذلك لحسن أخلاقهم واحترامهم لأنفسهم ، ولغيرهم ، فقال ﷺ "إنَّ أحبَّكم إليَّ ، وأقربَكم منِّي في
الآخرةِ محاسنُكم أخلاقًا ، وإنَّ أبغضَكم إليَّ ، وأبعدَكم منِّي في الآخرةِ أساوِئُكم
أخلاقًا الثَّرثارونَ المُتَفْيهِقونَ المُتشدِّقون" وتلى عليهم ﷺ قول خالقه "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم" فهذا بعض من فيض ، والآن أطرح سؤالا مستحقا ، وهو "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ" ؟ !

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (16) الجارديان المصريه