الكاتب الكبير فرحات جنيدي يكتب: من يستحق وزارة الثقافة؟ (17) الدكتور مصطفى عطية جمعة... هل تستطيع الثقافة المصرية أن تستعيد ريادتها العربية؟
حين بدأت هذه السلسلة، كنت أبحث عن وزير.
لكنني اكتشفت مع كل مقال أن السؤال الحقيقي ليس: من يجلس على المقعد؟
بل: من يستطيع أن يعيد للثقافة المصرية مكانتها؟
فوزارة الثقافة ليست وزارة خدمات.
وليست مؤسسة لتنظيم المعارض أو إصدار الكتب.
إنها وزارة تصنع الوعي، وتحمي الهوية، وتحدد صورة مصر أمام نفسها وأمام العالم.
ولهذا، فإن الوزير الذي ينتظر هذا المنصب لا يكفي أن يكون إداريًا ناجحًا، أو مبدعًا مشهورًا، أو أكاديميًا مرموقًا.
بل يجب أن يكون صاحب مشروع.
وحين أبحث عن هذا المشروع، يتقدم أمامي اسم الدكتور مصطفى عطية جمعة.
ليس لأنه أستاذ جامعي كبير.
ولا لأنه ناقد أدبي معروف.
ولا لأنه صاحب عشرات الكتب والأبحاث.
بل لأنه يمثل نموذجًا نادرًا للمثقف الذي استطاع أن يتجاوز حدود الجغرافيا، ليصبح أحد الأسماء المعتبرة في المشهد الثقافي العربي.
هناك شخصيات صنعت شهرتها داخل وطنها.
وهناك شخصيات صنعت حضورها في وطنها وخارجه.
أما الدكتور مصطفى عطية جمعة...
فقد نجح في أن يكون حاضرًا في المشهد الأكاديمي والثقافي المصري، وفي الوقت نفسه أصبح اسمًا معروفًا داخل دولة الكويت، وفي أوساط المثقفين والجامعات ومؤسسات الفكر في دول مجلس التعاون الخليجي.
وهنا تتغير زاوية النظر.
فنحن لا نتحدث عن أستاذ جامعي يعمل خارج مصر.
بل عن عقلٍ ثقافي استطاع أن يبني جسورًا معرفية بين مصر ومحيطها العربي.
وربما نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الشخصيات.
لقد ظل الرجل، طوال مسيرته، يكتب ولا يكرر.
ويبحث ولا يستهلك.
وينتج ولا يكتفي بما أنجزه.
كتب في النقد الأدبي.
وفي الرواية.
وفي المسرح.
وفي الفكر.
وفي التراث.
وفي اللغة.
وفي الحضارة.
وفي قضايا الهوية العربية.
وفي أدب الطفل.
حتى أصبح مشروعه الفكري أشبه بخريطة واسعة تتحرك بين الماضي والمستقبل دون أن تفقد بوصلتها.
ولعل أكثر ما يميز هذا المشروع أنه لا ينظر إلى الثقافة باعتبارها ترفًا للنخبة.
بل يعتبرها الوسيلة الوحيدة القادرة على حماية الإنسان من الجهل، وحماية المجتمع من التفكك، وحماية الوطن من ضياع هويته.
وهذا، في رأيي، هو التعريف الحقيقي لوزارة الثقافة.
إنها ليست وزارة للفنون فقط.
إنها وزارة لبناء الإنسان.
ومن يقرأ تجربة الدكتور مصطفى عطية جمعة يدرك سريعًا أنه لا يعيش داخل برج أكاديمي مغلق.
بل ظل حاضرًا في المؤتمرات العربية، والملتقيات الفكرية، والنقاشات الثقافية، وأسهم في تقديم صورة مشرقة للمثقف المصري داخل العالم العربي.
وهنا أطرح سؤالًا أراه شديد الأهمية...
هل تحتاج مصر اليوم إلى وزير ثقافة يعرف مصر فقط؟
أم تحتاج إلى وزير تعرفه العواصم العربية أيضًا؟
لقد كانت القاهرة، لعقود طويلة، عاصمة الثقافة العربية بلا منازع.
وكان المثقف العربي ينظر إليها باعتبارها قبلة الفكر والإبداع.
واليوم...
نحن بحاجة إلى شخص يستطيع أن يعيد هذا الدور.
وشخصية تمتلك حضورًا عربيًا واسعًا قد تكون أكثر قدرة على إعادة فتح الجسور الثقافية مع الأشقاء العرب، واستعادة المكانة التي صنعتها مصر عبر قرون.
وهنا تبدو تجربة الدكتور مصطفى عطية جمعة مختلفة.
فهو لا يحمل فقط مشروعًا فكريًا.
بل يحمل شبكة واسعة من العلاقات الأكاديمية والثقافية داخل العالم العربي، وهو ما يمنحه قدرة على بناء شراكات ثقافية تتجاوز الحدود السياسية، وتجعل الثقافة المصرية أكثر حضورًا وتأثيرًا.
لكن ما يعجبني أكثر من كل ذلك...
هو إيمانه بأن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل.
بل هي وعاء الهوية.
وأن حماية اللغة تعني حماية الذاكرة.
وحماية الذاكرة تعني حماية الوطن.
ولهذا جاءت معظم كتاباته منحازة إلى بناء العقل العربي، وإعادة الاعتبار للمعرفة، وربط التراث بروح العصر، بعيدًا عن الجمود، وبعيدًا عن القطيعة مع الماضي.
وربما لهذا السبب أرى أن الدكتور مصطفى عطية جمعة لا يقدم نفسه باعتباره ناقدًا أو أستاذًا جامعيًا فقط.
بل يقدم نموذجًا للمثقف العربي الذي يستطيع أن يحاور الجميع.
المبدع.
والباحث.
والطالب.
وصانع القرار.
وهذه قدرة لا يمتلكها كثيرون.
لقد كتبت في هذه السلسلة عن الفنان.
وعن المؤرخ.
وعن المفكر.
وعن الناقد.
وعن الإداري.
وعن رجل الدولة.
واليوم أكتب عن رجل أؤمن أنه يستطيع أن يمنح وزارة الثقافة بعدًا عربيًا جديدًا.
ولا أقول إنه المرشح الوحيد.
لكنني أقول بثقة إنه واحد من الأسماء التي تستحق أن تكون على طاولة أي نقاش جاد حول مستقبل الثقافة المصرية.
فوزارة الثقافة ليست جائزة.
وليست منصبًا يُمنح.
إنها أمانة أمام التاريخ.
ومن يتولاها...
عليه أن يعيد للقاهرة مكانتها.
وللكتاب قيمته.
وللمثقف احترامه.
وللثقافة المصرية دورها العربي الذي لم يكن يومًا مجرد حلم...
بل كان حقيقة صنعتها عقول كبيرة، وما زالت مصر قادرة على أن تنجب مثلها.
وفي المقال القادم...
سنواصل هذه الرحلة...
وربما نكتشف معًا اسمًا جديدًا، وتجربة أخرى، تستحق أن تكون جزءًا من هذا الحوار الوطني حول مستقبل الثقافة المصرية.
#فرحات_جنيدي













إلزام الفنان بيومى فؤاد بدفع مؤخر صداق ومتعة وعدة لطليقته
الحماية المدنية تسيطر على حريق مخزن بعزبة الهجانة في مدينة نصر
اليوم.. نظر محاكمة البلوجر هدير عبدالرازق بتهمة غسل الأموال
اليوم.. نظر محاكمة 9 متهمين في قضية خلية المطرية الإرهابية
سعر الذهب اليوم الثلاثاء 28 يوليو 2026
أسعار الذهب اليوم الجمعة 24-7-2026 فى محلات الصاغة
سعر الدواجن اليوم الخميس في الأسواق
أسعار الدولار رسميا في مصر اليوم السبت