الجمعة 31 يوليو 2026 05:03 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د.ماجدة عبدالحى تكتب: استبدل الوفاء بالوهم… فكانت الخسارة عمرًا كاملًا

الكاتبة الكبيرة د. ماجده عبدالحي
الكاتبة الكبيرة د. ماجده عبدالحي

في زحام الحياة، يخطئ بعض الناس في تقدير قيمة الأشخاص. ينجذبون إلى البريق، ويغفلون عن الجوهر، ويظنون أن كل ما يفقدونه يمكن تعويضه. لكن الحقيقة التي تؤكدها الحياة مرارًا هي أن بعض الخسائر لا تُعوَّض، لأنها لا تتعلق بما نملك، بل بمن منحونا الصدق والوفاء والإحساس بالأمان.

لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ تُقاس فيه العلاقات بسرعة بدايتها، لا بعمقها، وبكثرة الكلمات، لا بصدق الأفعال. ولهذا أصبح الإنسان الأصيل يبدو وكأنه استثناء، لا لأنه نادر فقط، بل لأن معايير الاختيار لدى كثيرين تغيّرت، وأصبحت تبحث عن الإبهار أكثر من البحث عن الطمأنينة.

المؤلم أن الإنسان لا يدرك قيمة النعمة دائمًا وهي بين يديه، بل يدركها عندما تتحول إلى ذكرى. عندها فقط يبدأ بمراجعة مواقفه، ويكتشف أن المشكلة لم تكن في الشخص الذي رحل، وإنما في الطريقة التي تعامل بها معه.

من منظور علم النفس، لا يهرب الجميع من العلاقات بسبب غياب الحب، بل قد يهرب بعضهم لأن العلاقة الصحية نفسها تربكه. فالشخص الذي اعتاد الفوضى والصراعات قد يشعر بالملل أو القلق أمام علاقة قائمة على الاحترام والاستقرار. وعندما يقابل إنسانًا صادقًا وواضحًا، قد يفسر هذا الصدق على أنه ضعف، أو يظن أن الوفاء أمر مضمون لا يحتاج إلى تقدير.

وهنا تبدأ المأساة…

فيستبدل الإنسان الوفاء بالوهم، والاحتواء بالمظاهر، والصدق بالمجاملات، ثم يمضي باحثًا عن سعادة يعتقد أنها تنتظره في مكان آخر. لكنه مع مرور الوقت يكتشف أن ما كان يبحث عنه لم يكن بعيدًا عنه، بل كان بجواره، ولم يُحسن رؤيته.

الندم لا يأتي فجأة، بل يتسلل إلى النفس في صورة مقارنات صامتة. يبدأ عندما يقابل أشخاصًا لا يشبهون من فرّط فيه، وعندما يفتقد كلمة صادقة كان يسمعها كل يوم، أو دعماً كان يظنه أمرًا عاديًا. عندها فقط يفهم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد من يعرفهم، بل بعدد من يجد بينهم قلبًا صادقًا لا يتغير.

لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق أمنياتنا. فبعض الأبواب تُغلق مرة واحدة، وبعض القلوب عندما تتعب من المحاولة، تختار الرحيل حفاظًا على كرامتها، لا لأن الحب انتهى، بل لأن الاستمرار في الألم لم يعد ممكنًا.

وهنا تبرز رسالة مهمة من منظور الصحة النفسية؛ فالعلاقات السليمة ليست مجرد مشاعر، بل مسؤولية مشتركة. وهي تحتاج إلى النضج، والاحترام، والتقدير، والقدرة على الحوار، والاعتراف بالخطأ. أما التقليل من قيمة الطرف الآخر، أو الاعتماد على أنه سيبقى مهما حدث، فهو من أكثر الأخطاء التي تهدم العلاقات.

وتذكروا دائمًا أن الصحة النفسية لا تعني فقط علاج القلق أو الاكتئاب، بل تعني أيضًا أن نتعلم كيف نحافظ على العلاقات التي تمنحنا الأمان، وأن نعرف قيمة الإنسان قبل أن يتحول إلى ذكرى.

فالكلمة الطيبة علاج، والاحترام وقاية، والامتنان غذاء للعلاقات. أما التجاهل المستمر، والإهمال، والعناد، فهي سموم صامتة تقتل أصدق المشاعر دون ضجيج.

ليس كل من يغادر يعود، وليس كل اعتذار يُصلح ما أفسدته الأيام. لذلك، لا تؤجلوا التقدير، ولا تجعلوا الغرور يقود قراراتكم، ولا تستهينوا بمن يقف إلى جواركم وقت الشدة، فالأشخاص الأوفياء لا يمكن استبدالهم بسهولة.

وفي النهاية، تبقى الحياة أعظم معلم. تمنحنا الدروس، لكن ثمن بعضها يكون باهظًا. ومن أقسى تلك الدروس أن ندرك قيمة الإنسان بعد رحيله، وأن نكتشف متأخرين أن الوفاء لم يكن ضعفًا، وأن النقاء لم يكن عيبًا، وأن القلب الصادق كان نعمةً لم نحسن الحفاظ عليها.

لذلك… لا تجعلوا الندم أول اعتراف بقيمة من أحبكم بصدق، ولا تستبدلوا الوفاء بالوهم، فبعض الخسائر لا تعوضها الأيام، وبعض الندم يرافق الإنسان ما بقي من عمره .

ماجدة عبدالحى استبدل الوفاء بالوهم… فكانت الخسارة عمرًا كاملًا الجارديان المصريه