السبت 1 أغسطس 2026 08:40 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

منى عثمان تكتب : اصلاح ورا اصلاح

الكاتبة الكبيرة منى عثمان
الكاتبة الكبيرة منى عثمان

كل يوم نسمع نفس العناوين:

الناتج القومي يرتفع.
الاقتصاد ينمو.
المؤشرات تتحسن.
الدولة تحقق إنجازات.
والتعافي قادم.

لكن المواطن ينظر إلى مرتبه فيجده كما هو. وينظر إلى الأسعار فيجدها ترتفع بلا توقف. ويفتح فاتورة الكهرباء فيشعر أن النمو الاقتصادي يُموَّل من جيبه. ويذهب إلى محطة البنزين فيدرك أن كل زيادة في الوقود ستصل إليه بعد أيام في المواصلات والطعام والدواء وكل شيء.

فإذا كان الاقتصاد ينمو… لماذا يزداد المواطن اختناقًا؟

وإذا كانت الدولة تحقق كل هذه الإنجازات… لماذا أصبح المواطن يعمل أكثر ويشتري أقل ويخاف من آخر الشهر؟

وهنا يحق لنا أن نسأل:

هل يرتفع الناتج القومي لصالح الشعب أم أن الشعب هو الوقود الذي تُشغَّل به ماكينة الأرقام؟

الناتج القومي رقم جميل… لكنه لا يملأ ثلاجة..

من المفترض أن يؤدي النمو الاقتصادي إلى فرص عمل أفضل وأجور أعلى وخدمات أقوى وحياة أكثر استقرارًا.

لكن في مصر يبدو أن هناك نوعًا آخر من النمو:

ينمو الناتج على الورق… ويتقلص المواطن في الواقع.

تُعلن أرقام بالمليارات والتريليونات بينما المواطن يحسب سعر البيضة والزيت واللحمة ويؤجل شراء احتياجاته إلى الشهر القادم.

فما قيمة أن يصبح الاقتصاد أكبر بينما تصبح قدرة المواطن على شراء احتياجاته أصغر؟

وما فائدة نمو لا يظهر في المرتبات ولا في العلاج ولا في التعليم ولا في جودة الخدمات؟

النمو الذي لا يصل إلى الناس ليس إنجازًا يشعر به الشعب.

إنه رقم يُعرض في المؤتمرات بينما يدفع المواطن ثمنه في الأسواق.

عندما يصبح جيب المواطن هو الحل الدائم

كلما احتاجت الدولة إلى أموال تظهر الحلول نفسها:

ضرائب جديدة.
رسوم أعلى.
زيادة في أسعار البنزين.
زيادة في الكهرباء.
زيادة في الغاز.
وأعباء جديدة تحت أسماء مختلفة.

وكأن المواطن أصبح ماكينة تمويل لا تتوقف.

يدفع عندما يشتري.
ويدفع عندما يستخدم خدمة.
ويدفع في فاتورة الكهرباء.
ويدفع في البنزين.
ثم يدفع مرة أخرى عندما تنتقل تكلفة كل زيادة إلى أسعار الطعام والدواء والمواصلات.

ثم يُطلب منه أن يتحمل لأن البلد تمر بظروف صعبة.

لكن من يتحمل هذه الظروف فعلًا؟

هل أصحاب الامتيازات والرواتب الضخمة والسيارات والمكاتب الفاخرة؟

أم المواطن الذي يقسم راتبه بين الإيجار والطعام والفواتير والمواصلات؟

يبدو أن معادلة إدارة الأزمات أصبحت بسيطة:

عندما تضيق الموازنة… افتح جيب المواطن.

كل زيادة في الوقود تدخل بيتك

ترتفع أسعار البنزين بحجة الإصلاح.

ترتفع أسعار الكهرباء بحجة تقليل الدعم.

يزداد سعر الغاز بحجة ترشيد الاستهلاك.

لكن المواطن لا يرى إصلاحًا…

يرى فاتورة أكبر.

فكل زيادة في الوقود ترفع تكلفة النقل. ثم ترفع تكلفة الإنتاج. ثم ترفع أسعار الطعام والدواء والسلع.

وفي النهاية يدفع المواطن الزيادة في محطة البنزين وفي المواصلات وفي السوق وفي فاتورة البيت.

السلطة تتحدث عن الإصلاح من خلف المكاتب… والمواطن يعيش نتائجه أمام رفوف السوبرماركت.

التضخم ينخفض في التقارير… لكن الأسعار لا تسمع الأخبار

تقول التقارير إن التضخم يتراجع.

لكن المواطن لا يسأل عن نسبة التضخم.

المواطن يسأل:

لماذا أصبح الطعام أغلى؟
لماذا أصبح العلاج أصعب؟
لماذا أصبحت المواصلات عبئًا؟
لماذا أصبحت فاتورة الكهرباء تلتهم الراتب؟
ولماذا أصبحت بيضة الدجاج بستة جنيهات؟

قد تنخفض سرعة ارتفاع الأسعار لكن هذا لا يعني أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه.

وهنا يظهر الفرق بين لغة التقارير ولغة الواقع:

في التقارير:

المؤشرات تتحسن.

وفي البيوت:

الراتب ينتهي قبل الشهر.

في المؤتمرات:

الاقتصاد يتعافى.

وفي الأسواق:

المواطن يتراجع.

قد يرتفع الناتج القومي.

قد تتضخم الأرقام.

قد تمتلئ التقارير بكلمات مثل النمو والإصلاح والتعافي.

لكن المواطن لا يعيش داخل تقرير.

المواطن يعيش داخل بيت يدفع إيجاره وفواتيره ويشتري طعامه ويبحث عن علاج ويحسب ما تبقى من راتبه.

فإذا كانت الدولة تقول إن الاقتصاد ينمو بينما المواطن يزداد فقرًا فإن المشكلة ليست أن المواطن لا يفهم الأرقام…

المشكلة أن الأرقام لم تصل إليه أصلًا.

الدولة ليست شركة هدفها زيادة الإيرادات بأي ثمن.

والشعب ليس خزنة تُفتح عند العجز ولا وقودًا يُحرق كلما فشلت الإدارة.

الناتج القومي الحقيقي ليس ما يُكتب في التقارير… بل ما يبقى في جيب المواطن بعد الضرائب والفواتير والأسعار.

فإما أن تتحسن الإدارة ويتحمل المسؤول مسؤولية قراراته…

الي متي سيظل المواطن يدفع ثمن كل أزمة وكل خطأ وكل قرار… ثم يُطلب منه في النهاية أن يصفق للأرقام.

منى عثمان اصلاح ورا اصلاح الجارديان المصريه