شادى طلعت يكتپ : المعارضة ليست خيانة والسياسة ليست موالاة
إن انتعاش الحياة السياسية وازدهار الوضع الاجتماعي لا يمكن أن يتحققا في غياب بيئة سياسية خصبة، تسمح بوجود معارضة حقيقية، وتتيح الاختلاف، وتمنح أصحاب الرؤى المتباينة حقهم في التعبير والمشاركة والمنافسة.
فالسياسة، في جوهرها، ليست تأييد للسلطة أو اصطفاف خلفها، وإنما هي اختلاف في الرؤى والبرامج، وتنافس على تقديم الأفضل، ورقابة على أداء الحاكم، ومساحة مفتوحة للنقد والمساءلة.
وحين يغيب الاختلاف، تتحول السياسة إلى مشهد أحادي اللون، مهما بدا في ظاهره متنوعاً.
وفي الداخل المصري، تبدو الحياة السياسية اليوم في حالة من الانكماش الواضح، إذ تراجعت مساحة العمل المعارض، بينما أصبحت غالبية الأحزاب الموجودة على الساحة أقرب إلى التوافق مع النظام الحاكم منها إلى ممارسة دورها الطبيعي كقوى سياسية تمتلك رؤى مستقلة، وبرامج مختلفة، وقدرة حقيقية على المنافسة.
والحقيقة أن وجود الأحزاب لا يعني بالضرورة وجود حياة حزبية، كما أن تعدد الكيانات السياسية لا يعني بالضرورة تعدد الاتجاهات.
فالحياة السياسية الحقيقية تُقاس بمدى قدرة السياسي على الاختلاف، لا بقدرته على التوافق، وبقدرته على طرح البديل، لا بمجرد تأييد القائم.
ولأن السياسة بطبيعتها لا تخلو من المخاطر، فقد أصبحت ممارسة العمل السياسي في أحيان كثيرة طريقاً محفوفاً بالحذر.
ومن المؤسف أن عدداً من السياسيين الذين امتلكوا رؤى حقيقية لمواصلة العمل العام أصبحوا خارج مصر، بينما ظل بعضهم، رغم ابتعاده، منشغلاً بالشأن المصري، يحمل هموم وطنه ويتابع أحواله من بعيد.
كما أن وجود أحكام غيابية في مواجهة بعض المعارضين يظل مسألة بالغة الحساسية، فالعدالة لا ينبغي أن تكون مجرد صدور حكم، وإنما يجب أن ترتبط كذلك بضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة وتمكين المتهم من عرض دفاعه على نحو كامل.
ومن هنا فإن الأحكام الغيابية، متى افتقدت ضمانات المحاكمة العادلة، تصبح موضعاً مشروعاً للتساؤل والنقد.
أما من بقي من السياسيين في الداخل، فقد اختار بعضهم الانزواء والابتعاد عن المشهد السياسي، لا لغياب الرغبة في المشاركة، وإنما خشية أن يتحول الاختلاف السياسي إلى ثمن شخصي يدفعه صاحبه من حريته أو مستقبله أو أمنه.
لكن السؤال الأهم هنا ليس : هل توجد مخاطر في ممارسة السياسة ؟
بل : هل يمكن أن توجد حياة سياسية حقيقية بلا مخاطرة ؟
الإجابة في تقديري، هي (لا).
وحتى لو وصف البعض نظام الحكم في مصر بأنه ذو خلفية عسكرية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة استحالة ممارسة العمل السياسي، ولا يعني أن المجال العام قد أغلق بالكامل أمام كل محاولة للمشاركة.
فثمة مساحات، وإن كانت ضيقة وصعبة، يمكن للسياسي أن يتحرك فيها، ويطرح أفكاره، ويبني حضوره، ويخاطب الناس، ويؤسس لمشروع سياسي حقيقي.
نعم، الطريق ليس سهلاً، والمخاطر موجودة، والبيئة السياسية تحتاج إلى مزيد من الانفتاح، لكن السياسة التي لا يملك أصحابها شجاعة الاختلاف ستظل مجرد صورة بلا روح.
والحقيقة أيضاً : أن الحرية لا توهب، وإنما تكتسب.
وليس المقصود باكتساب الحرية الصدام أو الفوضى أو تجاوز القانون، وإنما أن يؤمن الإنسان بحقه في أن يكون له رأي، وأن يدافع عنه بالوسائل السلمية والقانونية، وأن يتحمل المسئولية عن اختياراته، وأن يقبل كذلك حق الآخرين في الاختلاف معه.
إن مصر، مهما كانت صعوبة ظروفها السياسية، تظل في حاجة إلى سياسيين حقيقيين، سياسيين لا يبحثون عن مقاعد أو مناصب، ولا ينتظرون رضا السلطة، وإنما يمتلكون مشروعاً، ورؤية، وشجاعة، وقدرة على مخاطبة الناس وإقناعهم.
فالسياسة لا تصنعها القاعات المغلقة، ولا البيانات المتشابهة، ولا الأحزاب التي تتحدث جميعها بلغة واحدة.
السياسة الحقيقية تولد من رحم الاختلاف، وتنمو بالمنافسة، وتستمد قوتها من الشارع، وتبقى حية ما دام هناك من يستطيع أن يقول : لدي رؤية أخرى.
وقد يكون الثمن ثقيلاً، وقد يواجه السياسي عقبات وضغوط، لكن التاريخ لا يذكر أولئك الذين اختاروا الصمت دائماً خوفاً من الخسارة، بقدر ما يذكر الذين امتلكوا شجاعة الموقف، ودفعوا ثمن أفكارهم، وحاولوا أن يفتحوا أبواباً كانت مغلقة.
ومع ذلك، فإن المخاطرة السياسية لا تعني المغامرة غير المحسوبة، ولا تعني دعوة أحد إلى خرق القانون أو تعريض نفسه أو غيره للخطر.
وإنما تعني أن العمل العام يحتاج إلى شجاعة، وأن المعارضة الحقيقية تحتاج إلى نفس طويل، وأن التغيير السياسي لا يحدث في يوم وليلة.
إن مصر تستحق حياة سياسية أكثر حيوية، وأحزاباً أكثر استقلالاً، ومعارضة حقيقية لا تكون وظيفتها مجرد الاعتراض من أجل الاعتراض، ولا التأييد من أجل التأييد، وإنما تقديم البديل ومراقبة الأداء والدفاع عن مصالح المواطنين.
تستحق مصر أن تسمع أصواتاً مختلفة، وأن ترى برامج متباينة، وأن يجد المواطن أمامه أكثر من طريق وأكثر من اختيار.
فالاختلاف ليس خيانة، والمعارضة ليست عداء للوطن، والنقد ليس هدماً للدولة.
بل إن الدولة القوية هي التي تستطيع أن تسمع من يخالفها، وتسمح له بأن يقول رأيه، ثم تترك الحكم في النهاية للمواطن وصندوق الانتخاب.
مصر لا تحتاج إلى معارضة من أجل المعارضة، وإنما تحتاج إلى معارضة من أجل الوطن.
وإذا كان الطريق إلى حياة سياسية حقيقية محفوفاً بالمخاطر، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون سبباً للاستسلام الكامل للصمت، بل دافعاً إلى بناء ممارسة سياسية مسئولة، سلمية، قانونية، وشجاعة.
فالأوطان لا تتقدم حين يتحدث الجميع بصوت واحد، وإنما حين تتعدد الأصوات، وتتباين الرؤى، ثم تجتمع في النهاية على مصلحة وطن واحد.
ومصر، بتاريخها وثقلها ومكانتها، تستحق مشاركة سياسية حقيقية، تستحق أن تكون هناك معارضة تختلف مع النظام حين ترى أنه أخطأ، وتتفق معه حين ترى أنه أصاب، وتقدم بديلاً حين تمتلك البديل.
إنها تستحق أن يخاطر أبناؤها من أجل مستقبلها، لا أن يخافوا من مجرد محاولة صناعته.
وعلى الله قصد السبيل












وزير العمل يُتابع حالة المصابين ويوجه بحصر المتضررين من حادث «قصاصين الإسماعيلية”
مصرع 15 عاملًا وإصابة 22 في تصادم سيارتي عمال بمنطقة الدواويس بالإسماعيلية
السيطرة على حريق التهم محتويات مطعم في ميدان المطبعة بمنطقة دار السلام...
قاتل التجمع يتخلص من أسرة كاملة...ومحاولات لكشف سبب الجريمة البشعة
تعرف على أسعار الفراخ اليوم الإثنين 10 أغسطس 2026
سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الإثنين 10 أغسطس 2026
سعر الذهب اليوم في محلات الصاغة....عيار 21 يكسر 6000 جنيه
أسعار الدولار اليوم السبت 8-8-2026..