الأربعاء 12 أغسطس 2026 06:39 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة هدى حجاجي أحمد تكتب: بين الإنسان والسلطة: حين يصبح المجتمع مرآةً للسياسة

الكاتبة هدى حجاجى احمد
الكاتبة هدى حجاجى احمد

ليست السياسة عالمًا بعيدًا عن الإنسان، ولا شأنًا يخص أصحاب المناصب والبرلمانات وحدهم، كما يظن البعض. فالسياسة، في حقيقتها، تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية؛ من المدرسة التي يتعلم فيها الطفل، والمستشفى الذي يلجأ إليه المريض، والشارع الذي يسير فيه المواطن، وفرصة العمل التي يبحث عنها الشاب، والخبز الذي تضعه الأسرة على مائدتها في نهاية كل يوم.

ولهذا فإن المجتمع والسياسة وجهان لحقيقة واحدة: كيف يعيش الإنسان، ومن يملك القدرة على التأثير في حياته؟

لقد اعتاد كثير من الناس النظر إلى السياسة باعتبارها صراعًا على السلطة، بينما هي في جوهرها مسؤولية عن إدارة مصالح البشر وحماية حقوقهم وتحقيق قدر من العدالة بينهم. وحين تنفصل السياسة عن الإنسان، تتحول السلطة إلى غاية، ويصبح المواطن مجرد رقم في سجلات الدولة، لا صوتًا له ولا حضورًا حقيقيًا في صناعة مستقبله.

المجتمع الذي نصنعه

لا يمكن أن نطالب بمجتمع عادل ونحن نمارس الظلم في حياتنا اليومية. ولا يمكن أن نتحدث عن احترام القانون بينما نبحث عن طرق للالتفاف عليه كلما تعارض مع مصالحنا.

فالدولة ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع، والحكومة ليست وحدها المسؤولة عن كل ما يحدث. هناك علاقة متبادلة بين المواطن والمؤسسات؛ فالمجتمع الواعي ينتج مؤسسات أكثر قدرة على الإصلاح، والمؤسسات العادلة تساعد بدورها على بناء مواطن أكثر ثقة ومسؤولية.

ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما يعتاد الإنسان الصمت أمام الخطأ، ويعتبر الظلم أمرًا طبيعيًا، ويتحول الفساد من جريمة إلى "شطارة"، وتصبح الواسطة طريقًا أسرع من الكفاءة، ويتحول احترام القانون إلى خيارٍ شخصي لا إلى قاعدة عامة.

عندها لا يكون الخلل سياسيًا فقط، بل يصبح اجتماعيًا أيضًا.

الفقر ليس مجرد نقص في المال

حين نتحدث عن الفقر، كثيرًا ما نختصره في انخفاض الدخل أو عدم القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية. لكن الفقر أوسع من ذلك بكثير.

الفقر قد يعني طفلًا حُرم من التعليم الجيد، وشابًا فقد الأمل في الحصول على فرصة مناسبة، وأسرةً تضطر إلى تأجيل احتياجاتها الأساسية، وإنسانًا موهوبًا لم يجد البيئة التي تساعده على اكتشاف قدراته.

ولهذا فإن مكافحة الفقر لا ينبغي أن تقوم على المساعدات وحدها، رغم أهميتها، بل على بناء اقتصاد يخلق فرصًا حقيقية، وتعليم يفتح الأبواب، ونظام اجتماعي يحمي الفئات الأكثر احتياجًا من السقوط في دائرة العجز.

فالإنسان لا يريد دائمًا من يعطيه شيئًا، بل يريد أحيانًا فرصة يستطيع من خلالها أن يصنع الشيء بنفسه.

الشباب والسياسة: صوت المستقبل

الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية تنتظر دورها، بل هم جزء أساسي من حاضر المجتمع ومستقبله.

ومع ذلك، يشعر كثير من الشباب بأن السياسة بعيدة عن حياتهم، وأن أصواتهم لا تغير شيئًا، فيبتعدون عنها، ثم نشكو بعد ذلك من غيابهم.

لكن المشكلة لا تكمن دائمًا في عزوف الشباب، بل في غياب المساحات التي تجعل مشاركتهم حقيقية وفاعلة.

الشاب الذي لا يجد فرصة للتعبير عن رأيه في المدرسة أو الجامعة أو بيئة العمل، قد يكبر وهو مقتنع بأن رأيه لا قيمة له. والشاب الذي يرى أن النجاح مرتبط بالعلاقات أكثر من الكفاءة، قد يفقد إيمانه بالعدالة.

لذلك فإن بناء جيل سياسي واعٍ لا يعني أن يتحول الجميع إلى سياسيين، وإنما يعني أن يعرف الإنسان حقوقه وواجباته، وأن يفهم القضايا العامة، وأن يستطيع التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد المسؤول والتشهير، وبين الاختلاف والعداء.

الإعلام وصناعة الوعي

في عصرنا الحديث، لم تعد وسائل الإعلام مجرد مصدر للأخبار، بل أصبحت قوة قادرة على تشكيل الوعي وتوجيه النقاش العام.

والمشكلة ليست في وجود الإعلام، بل في كيفية استخدامه.

فالكلمة قد تبني وعيًا، وقد تصنع خوفًا. وقد تكشف فسادًا، وقد تنشر شائعة. وقد تمنح الناس فرصة لفهم قضية معقدة، وقد تختصر الحقيقة في عنوان مضلل.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كل فرد قادرًا على نشر معلومة في لحظات. وهذا التطور منح المجتمع قوة كبيرة، لكنه وضع أمامه مسؤولية أكبر.

لم يعد السؤال: "هل أستطيع نشر هذا؟"

بل أصبح السؤال الأهم:

"هل ينبغي أن أنشره؟ وهل أنا متأكد من صحته؟"

إن المجتمع الذي يستهلك الأخبار دون تفكير يصبح سهل التأثير، أما المجتمع الذي يتعلم التحقق والمناقشة واحترام الاختلاف، فيمتلك حصانة حقيقية ضد التضليل.

الاختلاف ليس عداوة

من أخطر المشكلات التي يمكن أن تصيب أي مجتمع أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة شخصية.

فالإنسان ليس مطالبًا بأن يوافق الآخرين في كل شيء، ولا أن يتبنى أفكارهم السياسية والاجتماعية نفسها. لكن ما نحتاج إليه هو أن نتعلم كيف نختلف دون أن نكره، وكيف ننتقد دون أن نهين، وكيف ندافع عن أفكارنا دون أن ننكر حق الآخرين في امتلاك أفكار مختلفة.

الديمقراطية، في معناها الأوسع، ليست مجرد صندوق انتخاب، وإنما ثقافة كاملة تقوم على قبول التعدد، واحترام القانون، والمساءلة، وحق الإنسان في التعبير المسؤول.

فإذا كنا نريد مجتمعًا قويًا، فعلينا أن نتوقف عن اعتبار الاختلاف تهديدًا.

قد يكون الاختلاف مزعجًا أحيانًا، لكنه ضروري؛ لأن المجتمع الذي لا يسمع إلا صوتًا واحدًا لا يملك بالضرورة الحقيقة، بل قد يملك فقط صدى صوته.

المرأة والمجتمع

لا يمكن الحديث عن مستقبل المجتمع دون الحديث عن المرأة.

فالمرأة ليست مجرد عنصر داخل الأسرة، بل شريك أساسي في بناء المجتمع. تعليمها، وحمايتها من العنف، وتمكينها من المشاركة في الحياة العامة والاقتصادية، كلها قضايا تتجاوز حقوق المرأة نفسها لتصبح قضايا تخص مستقبل المجتمع بأكمله.

وعندما تُمنح المرأة فرصة حقيقية للتعليم والعمل والمشاركة، فإن أثر ذلك لا يتوقف عندها؛ بل يمتد إلى الأسرة والأبناء والاقتصاد والمجتمع.

المجتمع الذي يقلل من قدرات نصف أفراده، يختار بإرادته أن يسير بنصف قوته.

هل تستطيع السياسة تغيير المجتمع؟

نعم، ولكن السياسة وحدها لا تكفي.

يمكن للقوانين أن تمنع بعض أشكال الظلم، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل الإنسان عادلًا.

يمكن للدولة أن تبني المدارس، لكنها لا تستطيع أن تزرع حب العلم بالقوة.

يمكنها أن تضع قوانين لمكافحة الفساد، لكن محاربة الفساد تحتاج أيضًا إلى ثقافة اجتماعية ترفضه ولا تعتبره وسيلة طبيعية للوصول إلى الحقوق.

لهذا فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من مستويين متوازيين: مؤسسات عادلة، ومجتمع واعٍ.

فإذا أصلحنا المؤسسات وأهملنا الإنسان، عاد الخلل بأشكال جديدة. وإذا طالبنا الإنسان بأن يكون مثاليًا بينما يعيش داخل مؤسسات غير عادلة، وضعناه أمام مسؤولية أكبر من قدرته.

الإصلاح الحقيقي هو أن يتحرك الطرفان معًا.

الدولة والمواطن: علاقة ثقة

أقوى الدول ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر قدر من القوة، وإنما تلك التي تستطيع بناء الثقة بينها وبين مواطنيها.

الثقة لا تُفرض بالقوانين، بل تُبنى بمرور الوقت.

حين يشعر المواطن أن القانون يُطبق بعدالة، وأن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأن مؤسسات الدولة تعمل من أجل المصلحة العامة، فإنه يصبح أكثر استعدادًا للمشاركة وتحمل المسؤولية.

أما حين يشعر الإنسان أن حقوقه غير مضمونة، وأن الفرص غير متساوية، وأن صوته لا قيمة له، فإنه يبدأ في الانسحاب من الحياة العامة، وقد يتحول الإحباط إلى لا مبالاة.

وهنا تكمن خطورة فقدان الثقة؛ لأن المواطن اللامبالي لا يطالب بالإصلاح، والمجتمع الذي يتوقف عن المطالبة بحقوقه قد يعتاد تدريجيًا على ما كان يرفضه في البداية.

المستقبل الذي نريده

لا أحد يستطيع أن يعرف شكل المستقبل بالتحديد، لكننا نستطيع أن نحدد نوع المجتمع الذي نريد أن نصل إليه.

نريد مجتمعًا لا يكون فيه الفقر قدرًا أبديًا، ولا يكون فيه التعليم امتيازًا، ولا تكون فيه الكفاءة أقل قيمة من العلاقات.

نريد مجتمعًا يستطيع فيه الإنسان أن يختلف دون خوف، وأن ينتقد دون كراهية، وأن يحلم دون أن يشعر بأن أحلامه أكبر من إمكاناته.

ونريد سياسة تنظر إلى المواطن باعتباره إنسانًا له كرامة وحقوق، لا مجرد رقم يظهر في الإحصاءات أو صوت يظهر في مواسم الانتخابات.

إن بناء الأوطان لا يحدث فقط في القصور الحكومية أو قاعات البرلمان، بل يحدث أيضًا في الفصول الدراسية، والمصانع، والمستشفيات، والبيوت، والجامعات، والشوارع.

كل مواطن يرفض الظلم، وكل معلم يؤدي رسالته، وكل طبيب يحافظ على أمانته، وكل شاب يصر على التعلم، وكل إنسان يرفض نشر الكراهية والشائعات، يشارك بطريقة ما في بناء وطنه.

وفي النهاية، فإن السياسة الحقيقية ليست تلك التي تتحدث كثيرًا عن الإنسان، بل تلك التي تجعل حياة الإنسان أفضل.

والمجتمع القوي ليس المجتمع الذي يخلو من المشكلات، فهذا مستحيل، وإنما المجتمع الذي يمتلك القدرة على الاعتراف بمشكلاته، ومناقشتها، وإصلاحها دون أن يفقد إنسانيته.

فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها.

إنها تُبنى بالعدل، والوعي، والتعليم، والكرامة، والثقة، وبإيمان الإنسان أن له مكانًا حقيقيًا في مستقبل وطنه.

وحين يدرك المواطن أنه ليس مجرد متفرج على التاريخ، بل جزء من صناعته، تبدأ المجتمعات في الانتقال من انتظار التغيير إلى صناعة التغيير.

وهناك فقط...

لا تعود السياسة حديثًا عن السلطة.

بل تصبح حديثًا عن الإنسان.

هدى حجاجي أحمد بين الإنسان والسلطة: حين يصبح المجتمع مرآةً للسياسة الجارديان المصريه