مدحت الشيخ يكتب: شعب يبحث عن نفسه
أحيانًا لا تكون المشكلة في أن الطريق غائب، وإنما في أننا لم نعد نعرف إلى أين نريد أن نذهب.
وهكذا يبدو حال شعوب كثيرة في عالمنا اليوم؛ شعوب تقف أمام مرآة كبيرة، تنظر إلى نفسها طويلًا، ثم تسأل: من نحن؟ وماذا نريد؟ وإلى أين نمضي؟
"شعب يبحث عن نفسه".. ليست جملة عابرة، وإنما ربما تكون وصفًا لحالة يعيشها الإنسان العربي في زمن تغيرت فيه الأشياء بسرعة تفوق قدرته على استيعابها.
تغيرت القيم، وتبدلت الأولويات، وأصبح الإنسان محاصرًا بين واقع يفرض نفسه، ومستقبل لا يعرف ملامحه، وماضٍ يحن إليه أحيانًا ويهرب منه أحيانًا أخرى.
نحن نعيش زمنًا أصبحت فيه المعلومة أسرع من التفكير، والصورة أقوى من الحقيقة، والشائعة قادرة على صناعة رأي عام قبل أن يجد العقل فرصة للتأكد منها.
وفي خضم هذا كله، بدأ السؤال الأصعب يظهر: أين نحن؟
ليس المقصود بالمكان هنا حدود الدولة أو موقعها على الخريطة، وإنما مكان الإنسان نفسه في وطنه ومجتمعه وحياته.
هل يشعر أنه شريك حقيقي في المستقبل؟
هل يرى أن صوته مسموع؟
هل يجد أمامه فرصة عادلة ليحلم ويعمل ويحقق ما يريد؟
وهل ما زال يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم؟
هذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها بخطاب إنشائي، ولا بالإجابات الجاهزة.
الشعوب لا تبحث فقط عن رغيف الخبز، رغم أن الخبز ضرورة، ولا تبحث فقط عن الوظيفة، رغم أن العمل كرامة، لكنها تبحث أيضًا عن معنى.
تبحث عن وطن تشعر فيه أنها ليست مجرد أرقام في سجلات، أو أصواتًا في مواسم الانتخابات، أو مستهلكين في سوق كبير.
تبحث عن وطن يقول لها بوضوح: أنت جزء من هذه الحكاية.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد الإنسان داخله إحساسه بأنه قادر على التأثير.
فحين يشعر المواطن أن كل شيء يحدث بعيدًا عنه، وأن قرارات كثيرة تُتخذ دون أن يعرف كيف ولماذا، يبدأ الانسحاب.
في البداية ينسحب من النقاش، ثم من الاهتمام بالشأن العام، ثم من الحلم، وربما يصل في النهاية إلى مرحلة لا يعود فيها يعنيه سوى أن يمر يومه بأقل قدر ممكن من المشاكل.
وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية.
لأن الأوطان لا تُبنى فقط بالمشروعات والطرق والمباني، وإنما تُبنى أيضًا بالإنسان الذي يشعر أن له قيمة، وأن لصوته وزنًا، وأن لمستقبله مكانًا في حسابات الدولة والمجتمع.
نحن في حاجة إلى أن نعيد اكتشاف الإنسان قبل أن نطالب بإعادة اكتشاف الوطن.
نحتاج إلى تعليم يصنع عقلًا لا مجرد شهادة، وإعلام يحترم عقل المواطن، وثقافة تفتح أبواب السؤال بدلًا من إغلاقها، ومجتمع يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى خصومة.
نحتاج إلى أن نتعلم مرة أخرى كيف نختلف دون أن نكره بعضنا، وكيف ننتقد دون أن نهدم، وكيف نعترف بالخطأ دون أن نعتبر الاعتراف به هزيمة.
الشعوب التي تعرف نفسها لا تخاف من الأسئلة.
أما الشعوب التي تخشى السؤال، فإنها تترك الآخرين يكتبون لها تعريفها ومستقبلها.
وربما تكون مهمتنا اليوم ليست أن نعطي الأجيال الجديدة إجابات محفوظة، وإنما أن نمنحها القدرة على البحث.
أن نترك لها مساحة لتسأل: لماذا؟ وكيف؟ وماذا بعد؟
فالشاب الذي يجد نفسه مضطرًا للبحث عن مستقبله في الخارج، أو في عالم افتراضي، أو خلف شاشة هاتفه، هو في الحقيقة يبحث عن نفسه قبل أن يبحث عن مكان آخر.
والإنسان الذي يشعر أنه غير مرئي، سيظل يبحث عن المكان الذي يستطيع فيه أن يكون موجودًا.
لذلك، فإن البحث عن الذات ليس عيبًا.
العيب أن نرفض الاعتراف بأننا نبحث.
فربما تكون لحظة الاعتراف هي أول خطوة في الطريق الصحيح.
نحن شعوب نملك تاريخًا طويلًا، وتجارب كثيرة، وانتصارات وانكسارات، وأحلامًا لم تكتمل بعد.
لكن التاريخ وحده لا يكفي.
الماضي يمنحنا الجذور، لكنه لا يستطيع أن يمنحنا المستقبل.
والمستقبل لا يُبنى بالحنين، وإنما بالوعي والعمل والقدرة على التعلم من الأخطاء.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج الشعب الذي يبحث عن نفسه إلى من يقول له: "أنا أعرف الطريق".
بل يحتاج إلى من يمشي معه، ويسمعه، ويحترم أسئلته، ويؤمن بأن الإنسان عندما يشعر بأنه شريك، يصبح أكثر قدرة على البناء.
فالشعوب لا تضيع عندما تبحث عن نفسها.
الشعوب تضيع عندما تتوقف عن البحث.












6 أشقاء بين ضحايا حادث الدواويس بالإسماعيلية .. مأساة تهز أسرة واحدة
مصرع شقيق عضو مجلس نواب بالمرج بطلق ناري من سلاحه على يد...
وزير العمل يُتابع حالة المصابين ويوجه بحصر المتضررين من حادث «قصاصين الإسماعيلية”
مصرع 15 عاملًا وإصابة 22 في تصادم سيارتي عمال بمنطقة الدواويس بالإسماعيلية
تعرف على أسعار الفراخ اليوم الإثنين 10 أغسطس 2026
سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الإثنين 10 أغسطس 2026
سعر الذهب اليوم في محلات الصاغة....عيار 21 يكسر 6000 جنيه
أسعار الدولار اليوم السبت 8-8-2026..