الأربعاء 26 أغسطس 2026 12:20 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب: حين تصبح لقمة العيش طريقًا إلى الموت.. من يحمي فقراء هذا الوطن؟

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

«الجوع كافر».. جملة قصيرة، لكنها تختصر وجع ملايين البشر الذين يعيشون يومهم بحثًا عن لقمة العيش، ويستيقظون كل صباح وهم يفكرون في سؤال واحد: كيف سنوفر احتياجات البيت اليوم؟ وكيف سنطعم أبناءنا؟ وكيف سندفع ثمن الدواء؟ وكيف سنواجه مصاريف الحياة التي أصبحت أثقل من قدرة كثير من الأسر؟
ومن هنا تبدأ الحكاية التي لا يتحدث عنها كثيرون عندما تقع كوارث سيارات عمال المزارع.
الجميع يتحدث عن الحادث، وعن أعداد الضحايا والمصابين، وعن بشاعة المشهد، وعن سيارات الإسعاف والمستشفيات، ثم ينتهي الأمر بعد ساعات أو أيام، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقًا في الهواء: لماذا اضطر هؤلاء الناس إلى ركوب هذه السيارات من الأساس؟ ولماذا أصبح طريقهم إلى العمل محفوفًا بكل هذا الخطر؟
نحن أمام فئة من أكثر فئات المجتمع احتياجًا؛ عمال باليومية، وأسر محدودة الدخل، وأبناء قرى ومناطق لا يجد بعض أهلها عملًا ثابتًا، فيخرجون منذ الصباح الباكر بحثًا عن عدة جنيهات تعينهم على استمرار الحياة.
هم لا يبحثون عن رفاهية.
ولا يطلبون وظيفة خلف مكتب.
ولا ينتظرون راتبًا ضخمًا.
هم يريدون فقط أن يعملوا ويعودوا إلى بيوتهم سالمين.
لكن المشكلة أن الفقر أحيانًا يدفع الإنسان إلى قبول ما لا يمكن أن يقبله لو كان أمامه اختيار آخر. وعندما يكون أمام الأب بيت يحتاج إلى الطعام، وأبناء يحتاجون إلى المصاريف، فقد يضطر إلى قبول وسيلة نقل غير آدمية، أو عمل شاق، أو ساعات طويلة، لأنه ببساطة لا يملك رفاهية الرفض.
وهنا لا بد أن نتحدث بصراحة عن مسؤولية الجميع.
نعم، الأب والأم مسؤولان عن حماية أبنائهما، ولا يجوز أن يكون الفقر مبررًا لإلقاء الأطفال أو الصغار في أعمال أو وسائل نقل تعرض حياتهم للخطر. وإذا اضطر الأب إلى تشغيل ابنه بسبب الحاجة، فعليه أن يتأكد على الأقل أن العمل آمن وأن وسيلة النقل آدمية ولا تهدد حياته.
لكن هل يمكن أن نحمّل الأسرة الفقيرة وحدها كل المسؤولية؟
بالطبع لا.
فمن الذي يوفر وسيلة النقل؟
ومن الذي يسمح بتحميل أعداد كبيرة من العمال في سيارة لا تصلح لذلك؟
ومن الذي يقودها؟
ومن الذي يتأكد من صلاحيتها؟
ومن الذي يراقب هذه المنظومة؟
ومن الذي يعرف أن هذه السيارات تتحرك يوميًا محملة بالبشر ثم ينتظر وقوع الكارثة حتى يتحرك؟
هذه الأسئلة أهم من كل الكلمات التي تقال بعد الحادث.
والحقيقة المؤلمة أن بعض الأسر أصبحت تعيش على حافة الخطر من أجل لقمة العيش. أب يخرج للعمل ولا يعرف هل سيعود، وشاب يركب سيارة العمال وهو يعلم أنها مزدحمة لكنه لا يملك بديلًا، وأم تودع أبناءها كل صباح وقلبها مليء بالخوف، ثم يأتي يوم لا يعود فيه أحد.
أي قسوة أكبر من أن يخرج الإنسان من بيته بحثًا عن رزقه فيعود إلى أهله محمولًا على نعش؟
وأي وجع يمكن أن تتحمله أم تعرف أن ابنها مات لأنه كان ذاهبًا إلى عمله؟
هنا يجب أن نتوقف عن النظر إلى الفقراء باعتبارهم مجرد أرقام في أخبار الحوادث.
وراء كل عامل قصة.
وراء كل ضحية أسرة.
وراء كل شاب أم وأب وإخوة.
وراء كل طفل فقد حياته أحلام لم تكتمل.
وهناك جانب آخر مؤلم للغاية، وهو أن بعض من يتصدرون المشهد الإعلامي وقت الكوارث يهتمون بالصور الصادمة والعناوين المثيرة وعدد المشاهدات أكثر مما يهتمون بجوهر القضية.
يتحول الموت إلى «ترند».
وتتحول الجنازة إلى صورة.
وتتحول دموع الأمهات إلى مادة للنشر.
ثم ينتهي كل شيء.
أما الصحافة الحقيقية، فيجب أن تذهب إلى ما هو أبعد من المشهد.
يجب أن تسأل: من المسؤول؟ ولماذا تكرر الحادث؟ وهل كانت هناك تحذيرات سابقة؟ وهل توجد وسائل نقل آمنة؟ وهل يتم تطبيق القانون؟ وهل هناك أطفال يعملون في ظروف خطرة؟ وهل يحصل العمال على الحد الأدنى من حقوقهم الإنسانية؟
هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تنقذ أرواحًا في المستقبل.
فالخبر ليس أن سيارة انقلبت فقط.
الخبر الحقيقي أن هناك منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة عندما تتكرر حوادث عمال المزارع بهذا الشكل.
ولا يجوز أن ننتظر كارثة جديدة حتى نتحرك.
يجب أن يكون هناك تفتيش حقيقي على وسائل نقل العمال، ومحاسبة صارمة لكل من يخالف قواعد السلامة، ومنع السيارات غير الآمنة من نقل البشر، والتأكد من صلاحية المركبات والسائقين، والتعامل بجدية مع تشغيل الأطفال أو تعريض صغار السن للخطر.
وفي الوقت نفسه، علينا ألا ننسى الجانب الآخر من القضية: الفقر نفسه.
فمصر فيها ملايين الأسر التي تكافح من أجل الحياة، وفي قرى كثيرة يمثل العمل باليومية مصدر الدخل الأساسي للأسرة.
قد يخرج الأب للعمل في الصباح ليشتري الطعام مساءً.
وقد تعمل الأم في أكثر من مكان لتوفير احتياجات أولادها.
وقد يضطر الشاب إلى ترك دراسته أو طفولته بحثًا عن عمل يساعد به أسرته.
هؤلاء يحتاجون إلى سياسات تحميهم، وإلى فرص عمل حقيقية، وإلى مظلة اجتماعية تمنع الأسرة من السقوط في قاع الاحتياج.
الفقر ليس عيبًا.
والعامل البسيط ليس مواطنًا من الدرجة الثانية.
والإنسان الذي يقف ساعات تحت الشمس في الحقول من أجل أجر يومي يستحق الاحترام والحماية تمامًا مثل أي إنسان آخر.
لكن علينا أيضًا أن نكون صريحين مع الأسر نفسها.
لا يجوز للأب أو الأم أن يضعا ابنهما في وسيلة نقل يعلمون أنها غير آمنة لمجرد الحصول على أجر يومي. وإذا كان لا بد من العمل، فيجب التأكد من أن الطريق والوسيلة وظروف العمل لا تعرض حياة الأبناء للخطر.
لقمة العيش مهمة، لكن حياة الابن لا تعوضها أموال الدنيا كلها.
ومع ذلك، فإن محاسبة الأسرة وحدها لن تحل المشكلة.
لأن الأسرة الفقيرة قد تكون محاصرة بين الجوع والخطر.
وهنا يأتي دور المجتمع والدولة وأصحاب الأعمال والجهات الرقابية.
لا بد أن يشعر الفقير أن القانون يحميه، وأن حياته ليست رخيصة، وأنه عندما يخرج للعمل فإن هناك من يضمن عودته إلى أسرته.
ولا بد أن يدرك صاحب العمل أن العامل ليس قطعة من المعدات، وأن تحميل سيارة فوق طاقتها أو استخدام مركبة غير صالحة لنقل البشر ليس مجرد مخالفة بسيطة، وإنما يمكن أن يكون جريمة تؤدي إلى موت عشرات الأشخاص.
ولا بد أيضًا من ثقافة جديدة في التعامل مع هذه الحوادث.
لا نريد أن نتذكر الضحايا فقط عندما تقع الكارثة.
نريد أن نتذكرهم قبل الكارثة.
نريد أن نسأل عن سيارات العمال قبل أن تنقلب.
نريد أن نراقب الطرق قبل أن تمتلئ بالإسعاف.
نريد أن نرى الفقير وهو حي، لا أن نبحث عنه بعد موته.
نريد أن نساعد الأسرة قبل أن تفقد ابنها، لا أن نرسل لها التعازي بعد فوات الأوان.
إن أكثر ما يحزن في هذه القضية أن بعض الضحايا لم يكونوا ذاهبين إلى مكان مجهول، وإنما كانوا ذاهبين إلى عملهم، إلى مصدر رزقهم، إلى المكان الذي ظنوا أنه سيساعدهم على مواجهة الحياة.
خرجوا بحثًا عن المال، فوجدوا الموت.
خرجوا من أجل أسرهم، فعادت أخبارهم إلى أسرهم قبل أن يعودوا هم.
وهذه ليست مأساة فردية، وإنما جرس إنذار يجب ألا نتجاهله.
إن الفقراء في طول البلاد وعرضها يستحقون حياة أكثر أمانًا وكرامة. يستحقون أن يعملوا دون خوف، وأن ينتقلوا دون مخاطرة، وأن يحصلوا على أجر يساعدهم على الحياة، وأن يعرفوا أن القانون يقف إلى جوارهم.
وإذا كان الجوع كافرًا، فإن الإهمال أكثر قسوة عندما يجعل الفقير يدفع حياته ثمنًا لرغيف الخبز.
علينا أن نكسر هذه المعادلة القاسية: إما أن تعمل وتخاطر بحياتك، أو تجلس في بيتك جائعًا.
لا ينبغي أن يكون هذا هو الاختيار أمام أي إنسان.
أما الأطفال، فقصتهم أكثر وجعًا.
الطفل مكانه المدرسة، ومكانه بين أسرته وألعابه وأحلامه، وليس في سيارة مزدحمة تسير على طريق طويل بحثًا عن أجر يومي.
ومن يدفع طفلًا إلى الخطر يجب أن يتحمل مسؤوليته، لكن المجتمع كله مسؤول أيضًا عن توفير البديل الذي يحمي هذا الطفل وأسرته من الحاجة.
وفي النهاية، لا أريد أن تتحول هذه الكلمات إلى مجرد حزن مؤقت بعد حادث جديد، ولا إلى صرخة تختفي مع انتهاء التغطية الإعلامية.
أريد أن نتوقف قليلًا أمام صورة كل أم فقدت ابنها، وكل أب فقد عائل أسرته، وكل طفل أصبح يتيمًا لأن والده خرج صباحًا بحثًا عن لقمة العيش.
أريد أن نسأل أنفسنا: ماذا لو كان هذا الضحية ابننا؟ ماذا لو كانت تلك الأم أمنا؟ ماذا لو كان ذلك الطفل واحدًا من أطفالنا؟
ربما وقتها فقط سنعرف حجم الكارثة.
الفقراء لا يريدون الموت.. الفقراء يريدون الحياة.
يريدون فرصة عمل، ويريدون وسيلة نقل آمنة، ويريدون أجرًا عادلًا، ويريدون أن يعودوا إلى بيوتهم في نهاية اليوم.
ومن حقهم علينا ألا نتركهم وحدهم في هذه المعركة.
فالصحافة التي تستحق أن تُسمى صحافة هي التي تنحاز إلى الإنسان، وتكشف الخلل، وتطالب بالمحاسبة، وتبحث عن الحل، لا التي تنتظر الدماء حتى تلتقط الصور.
والدولة القوية ليست التي تعالج آثار الكارثة فقط، وإنما التي تمنع الكارثة قبل وقوعها.
والمجتمع الرحيم ليس الذي يبكي بعد موت الفقير، وإنما الذي يساعده وهو حي.
أما نحن، فعلينا ألا نعتاد رؤية سيارات العمال وهي تسير محملة بالبشر وكأن حياة هؤلاء لا قيمة لها.
لقمة العيش حق.. والعمل حق.. لكن الحياة أيضًا حق.
ولا يجوز أن يكون الطريق إلى الرزق طريقًا إلى الموت.
رحم الله كل من فقدوا حياتهم وهم يبحثون عن لقمة عيش حلال، وشفى المصابين، وحفظ أسر الفقراء والبسطاء، وجعل هذه الكوارث الأخيرة نقطة بداية حقيقية لمراجعة كل ما يتعلق بنقل العمال وحمايتهم، حتى لا نستيقظ غدًا على حادث جديد، ثم نكرر الكلمات نفسها، ونعد الضحايا من جديد، وننسى من جديد.

حسين السمنودى حين تصبح لقمة العيش طريقًا إلى الموت.. من يحمي فقراء هذا الوطن؟ الجارديان المصريه