السبت 29 أغسطس 2026 12:10 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب: انهي حكومة اللي هتحكم وهتبقى الكلمة لمين لعصابة اخطف واجري ولا لحلم الملايين

الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين
الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين

المشكلة مش دايما في المسؤول الكبير والمشكلة مش بالضرورة في رأس الحكومة لأن المسؤول الكبير في النهاية بيصدر توجيهات وبيحط سياسات لكن الأزمة الحقيقية ساعات بتكون في المسافة اللي بين القرار وتنفيذه في القيادات الوسيطة اللي ماسكة مفاتيح الجهاز الإداري واللي تقدر تعطل قرار وتفرغه من مضمونه وتعيد تفسيره على مزاجها وتفتح أبواب وتقفل أبواب وتخلق حول نفسها شبكة من المصالح والمجاملات والولاءات
وهنا بيبدأ الفساد الحقيقي
لأن القيادي الوسيط هو اللي بيتعامل مع المواطن والموظف وهو اللي بيعرف تفاصيل الملفات وهو اللي يملك مفاتيح التنفيذ وهو اللي يقدر يخلي القانون يمشي في اتجاه ويتعطل في اتجاه تاني ولذلك فإن تغيير وزير أو مسؤول كبير من غير تفكيك دوائر النفوذ الموجودة تحته ممكن يتحول ببساطة إلى تغيير للواجهة بينما الآلة نفسها شغالة بنفس الطريقة
والأخطر إن بعض هذه القيادات قد تتحول مع الوقت إلى ما يشبه الدولة داخل الدولة تعرف كل الطرق وتعرف كل الأشخاص وتعرف كيف تتعامل مع كل مسؤول جديد وتقدم له الصورة التي تريدها وتحجب عنه ما لا تريد أن يراه وبذلك يصبح المسؤول الكبير أحيانا أسيرا للمعلومات التي تصله من تحته وليس حاكما حقيقيا لكل ما يجري في مؤسسته
وعشان كده مجرد إجراء حساب مسؤول وسيط بعد اكتشاف واقعة فساد مش كفاية
لأنك لو عاقبت شخصا واحدا وتركت الثقافة التي أنتجته والمنظومة التي سمحت له والمصالح التي كانت تحيط به فأنت لم تقض على الفساد أنت فقط غيرت اسما في دفتر
الفساد الحقيقي لا يعيش على شخص واحد
الفساد يعيش على شبكة
شبكة تعرف بعضها وتحمي بعضها وتعرف كيف تتكيف مع تغيير المسؤولين ولذلك فإن مواجهة الفساد محتاجة مراجعة حقيقية للقيادات الوسيطة نفسها ومحتاجين نسأل كل قيادي عن النتائج مش عن التقارير وكل مسؤول عن الملفات اللي تعطلت في عهده مش عن البيانات اللي كتبها وكل صاحب قرار عن حجم السلطة اللي استخدمها وعن مدى التزامه بالقانون
المطلوب مش حملة تصفية ولا اتهامات بالجملة ولا تحويل كل قيادي إلى متهم لمجرد إنه في موقعه
المطلوب رقابة حقيقية ومحاسبة عادلة وشفافة ومعايير واضحة للترقي والاستمرار في المناصب
لأن القيادي الكفء لازم يكون عنده فرصة يكمل والقيادي الفاشل لازم يمشي والفاسد لازم يتحاسب
أما إننا نفضل نغير الحكومات ونبدل الوزراء بينما نفس الحلقة الوسيطة تفضل في مكانها وتعيد إنتاج نفس الأخطاء فده معناه إننا بنعالج أعراض المرض ونسيب المرض نفسه
السؤال إذن مش انهي حكومة اللي هتحكم
السؤال مين اللي هينفذ
ومين اللي هيمسك مفاتيح الدولة على الأرض
ومين اللي هيكون قادرا على تحويل القرار إلى واقع
هنا بالضبط يتحدد مستقبل أي حكومة
لأن حلم الملايين مش إن كل يوم نشوف اسم جديد على الكرسي
حلم الملايين إن الموظف الصغير يعرف إن القانون فوقه وإن القيادي الوسيط يعرف إن سلطته مش ملكية خاصة وإن المسؤول الكبير يعرف إن هناك جهازا يعمل وفقا للقانون وليس وفقا للأشخاص
الدولة لا تسقط فقط عندما يفسد الكبير
الدولة تبدأ في الضعف عندما يصبح الصغير الذي يملك مفتاح التنفيذ أقوى من القانون
وعشان كده فإن إصلاح الحكومة يبدأ من تحت
من المكاتب التي لا تظهر في الصورة
من القيادات الوسيطة التي تصنع التفاصيل اليومية
من دوائر المصالح التي لا تتغير بتغير الوزراء
ومن ثقافة تقول إن المنصب حماية ونفوذ
إلى ثقافة تقول إن المنصب مسؤولية وحساب
وقتها فقط نقدر نعرف مين اللي هيحكم
حكومة الدولة
ولا دولة المصالح
لأن المعركة في النهاية مش بين شخص وشخص
المعركة بين حلم الملايين في دولة تحكمها القواعد
وبين عقلية اخطف واجري التي لا ترى في الدولة إلا فرصة للنفوذ والمصلحة

محمد هناء الدين انهي حكومة اللي هتحكم وهتبقى الكلمة لمين لعصابة اخطف واجري ولا لحلم الملايين