السبت 29 أغسطس 2026 09:06 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

اسامه محمد يكتب: متاهة العقل البشري

الكاتب أسامة محمد
الكاتب أسامة محمد

يبدو العنوان غريباً إلى حد ما وقد يقف القراء برهة من الزمن ولكن حين يطلق الإنسان العنان لتساؤلاته، تبدو الحياة وكأنها رحلة استكشاف كبرى، لكن هذه الشعلة الفكرية قد تنقلب أحياناً إلى قيود خفية تحبس العقل داخل حلقات مفرغة لا تنتهي.
تأمل معي تلك الأسئلة الغريبة التي يطرحها العقل أحياناً وتبدو في ظاهرها عبثية لكنها تعكس عمق حيرتنا
حين نفكر في العدم، هل نحن نفكر في شيء حقاً، أم أن عقولنا تحاول الإمساك بفراغ تتسع جدرانه كلما اقتربنا منه؟
كيف استطاع الإنسان أن يخترع كلمة مستقبل وهو لا يملك سوى هذه اللحظة التي تنزلق من بين أصابعه؟
ولماذا يبدو الوقت طويلاً جداً حين ننتظر دقيقة واحدة، وقصيراً بشكل مخيف حين تمر سنون كاملة؟
ولماذا تثقل الأفكار الرأس رغم أنها مجرد خيال بلا وزن؟
إن هذا النوع من الأسئلة لا يرهق الذهن لأنه بلا إجابة
فحسب، بل لأنه يدفع العقل للدوران حول نفسه بلا هدى.

وهنا يكمن فخ فرط التفكير الذي يتربص بالإنسان، فالعقل بطبيعته يميل إلى السؤال والشغف بالمجهول أكثر من توقه لحقيقة اليقين.

إنه يمتلك مهارة فائقة في إقناعك بأنك تسبح في بحار التأمل العميق، بينما أنت في الحقيقة تدور في غرفة مغلقة لا تفتح على أي أفق.
يستطيع العقل أن يولد ألف سؤال في لحظات، لكنه يعجز تماماً عن صناعة حقيقة واحدة مطلقة، لأن الأشياء ذوات أوجه متعددة ومتشعبة.
ولو تمكن العقل من الإنسان وترك وحده بلا هاد، لتحولت رحلته في الدنيا إلى متاهة موحشة.

من هنا جاءت الرحمة الإلهية العظمى بإنزال الوحي ليكون النور الذي يجلي هذه الحيرة، وكما أخبرنا الله سبحانه في كتابه الحكيم: ﴿ونزلنا عليك الكتاب وبيانات لكل شيء وهدي ورحمه ﴾.

وفي المقابل، وضع الحكيم سبحانه حدوداً مانعة تحمي الإنسان من غياهب الوسواس والتنقيب فيما لا طاقة لوعيه به، تحذيراً من قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبدأ لكم تسؤكم ﴾.

إن وعي الإنسان وإدراكه مسموح له بأجزاء محددة فقط، فنحن الكائنات الوحيدة التي وهبها الله علم أسماء الأشياء ومسمياتها كما جاء في محكم التنزيل: ﴿ وعلم آدم الاسماء كلها ﴾.
ورغم أننا الكائنات التي تفكر في المجهول وتخشاه، فإن أبواب الغيب مطلسمة لا يفتحها إلا الخالق عز وجل، مصداقاً لقوله: ﴿ فلا يظهر علي غيبه أحدا﴾.

فتبقى أسرار المستقبل، ونهاية الأجل، وماهية الروح، وسر الكون، ووقت الساعة، وكنه الإدراك والجاذبية، محجوبة عن الإدراك البشري المطلق.
لتظل الآية الكريمة سراجاً منوراً يضع كل شيء في نصابه الصحيح: ﴿ ولا يحيطون به علما﴾. ولأن الله جل جلاله هو نور السماوات والأرض، تظل النجاة الحقيقية في ألا يبتعد الإنسان عن نوره، فليس له ملجأ ولا مهرب منه إلا إليه.

اسامه محمد متاهة العقل البشري الجارديان المصريه