د. ماجده عبدالحي تكتب : نركض خلف الدنيا… حتى يفوتنا العمر نلهث وراء المال والمناصب والمظاهر… ثم نكتشف أن أغلى ما خسرناه كان نحن
الدنيا فانية… حقيقة نعرفها جميعًا، ونرددها كثيرًا، لكننا نعيش أحيانًا وكأننا لن نرحل.
نركض خلف المال، وننشغل بالمظاهر، ونقيم الموائد الكبيرة، ونخاف على صورتنا أمام الناس، ونتسابق على المناصب والمكانة، وكأن الكرسي سيبقى لنا، وكأن المال سيمنحنا عمرًا إضافيًا.
نركض… ونتسابق… ونتنافس.
لكن السؤال الذي ننساه وسط هذا الركض كله:
إلى أين؟
⸻
أما اكتفيتِ يا دنيا؟
أما اكتفيتِ يا دنيا مما نعانيه؟
تسرقيننا بالفتن والملذات، وتسرقين أعمارنا ونحن نركض خلفك، حتى تختفي سنواتنا في غيومٍ لا نعرف متى مرت.
أنهكتِنا… أرهقتِ قلوبنا، وأتعبتِ أرواحنا ونحن نجري وراء سرابك.
نلهث خلف المال، ونطارد المناصب، ونتسابق على الوظائف، وكأن الحياة كلها أصبحت معلقة بسؤال واحد:
من سيأخذ الوظيفة؟
من سيجمع أكثر؟
من سيملك أكثر؟
ومن سيصبح أعلى من الآخر؟
تحولت الحياة عند البعض إلى سباق لا نهاية له؛ يركض الإنسان ولا يصل، يجمع ولا يشبع، يملك ولا يطمئن.
وأصبح البعض يقيس قيمة الإنسان بما في جيبه، ومكانته بما يجلس عليه من كرسي، وقيمته بما يملك من عقارات وأموال ونفوذ.
حتى أصبحنا نعيش في سباق لا نعرف نهايته…
مع أننا جميعًا نعرف نهايته جيدًا.
الموت.
⸻
حين يصبح المال مقياسًا للإنسان
المؤلم أن الدنيا لم تعد تُقاس فقط بما نملك، بل أصبحنا نقيس بعضنا بما نملك.
أصبح الفقير أحيانًا يتردد قبل أن يتصل بالغني، خوفًا من أن يُساء فهمه، وأصبح البعض ينظر إلى الفقير وكأنه لا يتصل إلا ليطلب شيئًا.
وأصبح هناك من يفرق بين الناس من خلال وظائف آبائهم ومكانتهم الاجتماعية:
ابن الطبيب… ابن المهندس… ابن صاحب الشركة…
وفي المقابل، ابن العامل، أو بائع الحلوى، أو محدود الدخل.
وكأن الإنسان لا قيمة له إلا باسم عائلته أو وظيفة والده أو رصيد حسابه.
يا لها من مفارقة مؤلمة!
نحن نعيش في زمن العلم والتكنولوجيا والتقدم، لكن المسافات بين البشر تتسع.
حتى التنمر لم يعد حكرًا على الأطفال؛ أحيانًا يكون الكبار أكثر قسوة، لكنهم يخفون تنمرهم خلف نظرة استعلاء، أو كلمة جارحة، أو تجاهل متعمد، أو تصنيف للناس حسب طبقاتهم ومكانتهم.
⸻
والأغرب… أننا نتسابق نحو النهاية نفسها
يموت الشاب، فيترك خلفه مستقبلاً لم يكتمل، وضحكة لن نسمعها مرة أخرى، وأحلامًا كان يؤجل تحقيقها إلى الغد.
ويموت الكبير بعد سنوات من الجري وراء المال والمكانة والشهوات، وقد يكتشف متأخرًا أن عمره مضى في أشياء لم تكن تستحق كل هذا العناء.
وفي المقابل، هناك إنسان يعيش كل يوم تحت وطأة أسئلة قاسية:
هأجيب علاج ابني منين؟
هأكل عيالي إزاي؟
هأدفع الإيجار منين؟
هناك من لا يقتله المرض، وإنما ينهكه التفكير.
يأكله القلق على أولاده، ويثقله الخوف من الغد، ويستنزفه الحزن، حتى يصبح حيًا بجسده… لكنه منهك الروح.
⸻
كان يحتاج حياة
يا دنيا…
كم من إنسان أضعتِ عمره وهو يظن أن السعادة في المزيد!
المزيد من المال…
المزيد من الشهرة…
المزيد من السلطة…
المزيد من كل شيء…
حتى اكتشف متأخرًا أن قلبه كان يحتاج شيئًا آخر تمامًا:
كان يحتاج حياة.
كان يحتاج حضنًا صادقًا، وصديقًا وفيًّا، وبيتًا دافئًا، وطمأنينة لا تُشترى، وقلبًا راضيًا بما قسمه الله.
ليس العيب أن نسعى، ولا أن نعمل، ولا أن نحلم، ولا أن نطلب الرزق.
العيب أن ننسى أنفسنا ونحن نسعى.
أن نبيع ضمائرنا من أجل منصب، ونخسر أحباءنا من أجل المال، ونكسر قلوب الآخرين من أجل أن نصل.
ثم نصل أخيرًا…
فلا نجد أنفسنا.
⸻
يا دنيا… أما اكتفيتِ؟
أما اكتفيتِ يا دنيا؟
أم ستظلين تسرقين منّا الأعمار حتى يأتي يوم ننظر فيه خلفنا، فنكتشف أن أجمل سنواتنا قد مرت؟
كم مرة أجلنا زيارة من نحب؟
كم مرة قلنا: «بكرة»؟
بكرة نتكلم…
بكرة نتصالح…
بكرة نعيش…
لكن ماذا لو لم يأتِ الغد؟
الدنيا لا تعطي إنذارًا قبل أن تأخذ ما نحب.
لذلك لا تجعل المال يُنسيك الإنسان، ولا تجعل المنصب يجعلك ترى غيرك أقل منك، ولا تجعل خوفك على صورتك أمام الناس يجعلك تخسر صورتك أمام نفسك.
لا تحقر فقيرًا، ولا تسخر من عامل، ولا تتجاهل إنسانًا لأنك تظن أنه لا يستطيع أن يقدم لك شيئًا.
فربما يكون الإنسان الذي تجاهلته اليوم، أكثر منك إنسانية، وأغنى منك قلبًا.
⸻
في النهاية… لن يبقى إلا الأثر
سيأتي يوم تُغلق فيه الأبواب، وتنتهي المناصب، وتتوقف المنافسة، وتسكت الأحاديث عن المال والمكانة.
وسيبقى شيء واحد:
أثرك في الناس.
كم قلبًا جبرته؟
كم إنسانًا ساعدته؟
كم كلمة طيبة قلتها في وقت كان شخص ما يحتاجها؟
وكم إنسانًا جعلته يشعر أنه ليس وحيدًا؟
فلا تركضوا كثيرًا خلف الدنيا.
اعملوا، واجتهدوا، وابنوا مستقبلكم، واطلبوا الرزق، واستمتعوا بما أحل الله لكم…
لكن لا تجعلوا الدنيا تسكن قلوبكم.
فالدنيا محطة… وليست وطنًا.
⸻
حين يتوقف الركض
وفي لحظةٍ ما… سيتوقف كل شيء.
سيتوقف الهاتف عن الرنين، وتُغلق الأبواب، وتبقى المناصب خلف أصحابها، ويظل المال في خزائنه، والسيارات في أماكنها، والبيوت شاهدة على أصحابها بعد رحيلهم.
وفي تلك اللحظة لن يسأل أحد:
كم كان راتبك؟
كم كان رصيدك؟
ما هو منصبك؟
وكم جمعت من الدنيا؟
سيكون السؤال الأهم:
ماذا فعلت بعمرك؟
هل عشت فعلًا… أم قضيت عمرك تركض؟
هل تركت خلفك قلبًا يحبك، أم قلوبًا كسرتها في طريقك؟
هل كنت سببًا في جبر خاطر إنسان، أم كنت سببًا في وجعه؟
هل امتلكت الدنيا… أم أنها امتلكتك؟
يا من تركضون خلف المال والمناصب والمظاهر…
تمهلوا قليلًا.
انظروا إلى من تحبون، اقتربوا من أولادكم، اسألوا عن أصدقائكم، سامحوا من تستطيعون مسامحته، واجبروا خاطر من أوجعته الحياة.
فالوقت الذي تظنون أنه كثير… قد يكون آخر ما تملكون.
والعمر الذي تؤجلون فيه الحياة… لن يعود.
فلا تجعلوا الدنيا تأخذ منكم أجمل ما فيكم، ثم تترككم في آخر الطريق تبحثون عن أنفسكم فلا تجدونها.
وفي النهاية، لن يبقى من الإنسان ماله، ولا منصبه، ولا اسمه الذي خاف عليه طويلًا…
سيبقى أثره.
ستبقى كلمة طيبة قالها، ويدٌ امتدت لمحتاج، ودمعة مسحها، وقلبٌ جبره، وإنسانٌ شعر يومًا أنه ليس وحده.
أما الدنيا…
فستظل كما كانت دائمًا:
تُغري، وتُلهي، وتعد، ثم تمضي.
ونحن الذين نركض خلفها، ننسى أن الطريق أقصر مما نظن.
نركض… ونركض… حتى يفوتنا العمر.
ثم يأتي يوم لا نستطيع فيه أن نركض خطوة واحدة إلى الوراء.
فننظر خلفنا، ونكتشف الحقيقة التي تأخرنا كثيرًا في فهمها:
لم تكن الدنيا هي التي سرقت أعمارنا…
بل نحن الذين منحناها أعمارنا، وظننا أننا نملك الوقت.
⸻
رسالة أخيرة… قبل أن يفوت الأوان
فإن كان لنا أن نغيّر شيئًا، فلنبدأ الآن.
لنخفف من لهاثنا خلف الدنيا، ونُعيد للإنسان قيمته قبل المال، وللقلب مكانه قبل المظاهر، وللرحمة معناها قبل المصالح.
لنترك مساحة لمن نحب، ونسأل عن الغائب، ونمد أيدينا للمحتاج، ولا نحكم على إنسان من ثيابه أو مهنته أو قدرته المادية.
لنفرح بما نملك دون أن نحتقر من لا يملك، ونسعى للنجاح دون أن ندوس على غيرنا في الطريق.
فلنركض نحو ما يستحق… لا نحو ما يزول.
وقبل أن نبحث عن المزيد، لنسأل أنفسنا:
هل ما أركض خلفه يستحق أن أدفع من عمري ثمنًا له؟
وهل سأندم يومًا لأنني امتلكت أقل…
أم سأندم لأنني عشت أقل؟
الدنيا لن تتغير من أجلنا، لكننا نستطيع أن نغيّر طريقة عيشنا فيها.
فلا تنتظروا الغد لتبدأوا الحياة… ابدأوا اليوم.
اتصلوا بمن اشتقتم إليه، احتضنوا من تحبون، سامحوا إن استطعتم، اجبروا خاطرًا، ساعدوا محتاجًا، وقولوا كلمة طيبة… فربما تكون آخر فرصة لكم ولغيركم.
وفي النهاية…
لا تجعلوا الدنيا أكبر همكم، ولا تجعلوا الركض خلفها يسرق منكم أجمل ما أعطاكم الله: العمر، والقلوب، والإنسانية.
عِش… قبل أن يفوت العمر.
وأحب… قبل أن يصبح اللقاء ذكرى.
واترك أثرًا جميلًا… قبل أن ترحل.
فالدنيا فانية…
أما ما تتركه في قلوب الناس، فقد يبقى بعدك طويلًا.












السيطرة على حريق داخل مستشفي الحميات بإمبابة
مصرع 3 أشخاص وإصابة 6 في حادث تصادم بطريق شبرا بنها الحر
اليوم...محاكمة عاطل حاول سرقة سيارة بالمرج
المتهم بالشروع في قتل نجار يستأنف على حكم معاقبته بالمؤبد
أسعار الفراخ والبيض اليوم الأحد 30 أغسطس 2026
أسعار الذهب اليوم الأحد فى محلات الصاغة .. عيار 24: 7222.86 جنيه...
أسعار الذهب اليوم الجمعة 28 أغسطس 2026
أسعار الذهب مساء اليوم الخميس 27 أغسطس 2026