ضاحى عمار يكتب : مصر والصين شراكة ترسم موازين الشرق الأوسط
تفتح زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة صفحة جديدة في مسار العلاقات المصرية الصينية، في توقيت بالغ الحساسية تشهده منطقة الشرق الأوسط، وتتحرك خلاله موازين القوى على وقع أزمات متلاحقة وحسابات أمنية واقتصادية متشابكة، لتأتي الزيارة حاملة أبعادًا تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، وتمتد إلى ملفات الدفاع والاقتصاد والتجارة والاستثمار والقضايا الإقليمية والدولية.
رسائل الزيارة
وتكتسب زيارة شي جين بينغ أهمية خاصة باعتبارها أول زيارة للرئيس الصيني إلى مصر منذ عشر سنوات، في ظل مساعٍ مصرية متواصلة لتنويع الشراكات الدولية وتعزيز القدرة على التحرك المستقل في بيئة دولية تتغير بصورة متسارعة، بينما تنظر بكين إلى القاهرة باعتبارها شريكًا رئيسيًا في العالم العربي والقارة الأفريقية، وبوابة استراتيجية تطل على البحرين الأحمر والمتوسط وتتحكم في أحد أهم شرايين التجارة العالمية عبر قناة السويس.
وتأتي الزيارة في إطار متابعة تنفيذ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، الذي أُبرم عام 2014، إلى جانب بحث ملفات سياسية واقتصادية وتنموية، والتشاور بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بما يعكس اتساع نطاق العلاقات بين القاهرة وبكين وتحولها تدريجيًا من التعاون الاقتصادي والتجاري إلى شراكة أكثر شمولًا.
البعد العسكري
ويبرز التعاون العسكري باعتباره أحد أكثر الملفات التي تستحق المتابعة في مسار العلاقات المصرية الصينية، بعدما شهدت السنوات الأخيرة انتقالًا من نطاق الاتصالات والتدريب إلى تدريبات جوية مشتركة وتعاون في مجالات التكنولوجيا والتسليح وتبادل الخبرات، بما يمنح القوات المصرية فرصة للاطلاع على خبرات عسكرية مختلفة، ويتيح للجانب الصيني تعزيز حضوره في منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.
وتكتسب المناورات الجوية المشتركة بين البلدين أهمية خاصة في هذا السياق، لكونها تعكس مستوى متقدمًا من التعاون العسكري، وتكشف في الوقت نفسه عن رغبة القاهرة في امتلاك خيارات أوسع في التدريب والتكنولوجيا والتسليح، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن شراكاتها العسكرية التقليدية مع الولايات المتحدة.
تنويع التسليح
ويقرأ اللواء يونس السبكي، الخبير الاستراتيجي، مسألة تنويع مصادر القوة والتسليح باعتبارها جزءًا من الحسابات الاستراتيجية للدولة المصرية، خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، حيث سبق أن أكد في تحليلات منشورة أن التحولات الإقليمية الحالية ترتبط بإعادة تشكيل موازين القوى، وأن التعامل معها يحتاج إلى قراءة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
ومن هذه الزاوية، فإن التعاون المصري الصيني لا ينبغي قراءته باعتباره بديلًا لشراكات قائمة، وإنما باعتباره إضافة إلى شبكة العلاقات الدولية التي تحرص القاهرة على الحفاظ عليها، بما يمنحها مساحة أوسع للحركة ويعزز قدرتها على التعامل مع المتغيرات الأمنية والسياسية دون الارتهان إلى مصدر واحد للتكنولوجيا أو التسليح.
حسابات واشنطن
وتراقب الولايات المتحدة هذا المسار باهتمام، ليس فقط بسبب البعد العسكري، وإنما أيضًا نتيجة اتساع الحضور الصيني في الاقتصاد المصري ومشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل، إلى جانب الاستثمارات المرتبطة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة.
ومع ذلك، فإن اتساع التعاون مع بكين لا يعني أن القاهرة تتجه إلى فك ارتباطها الاستراتيجي بواشنطن، فالعلاقات المصرية الأمريكية تمتلك امتدادًا طويلًا في المجالات العسكرية والأمنية، كما تعتمد القوات المسلحة المصرية على منظومات ومعدات أمريكية متقدمة، وهو ما يجعل السياسة المصرية أقرب إلى تنويع الشراكات منها إلى استبدال شريك بآخر.
قلق إسرائيلي
وتفرض الجغرافيا المصرية نفسها بقوة على الحسابات الإسرائيلية، فمصر دولة محورية في معادلة أمن الشرق الأوسط، وتمتلك واحدًا من أكبر الجيوش في المنطقة، فضلًا عن موقعها المباشر على حدود إسرائيل ودورها التاريخي في ملفات الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية.
ومن ثم، فإن أي تطور نوعي في التعاون العسكري المصري مع قوة دولية كبرى يحظى باهتمام إسرائيلي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا العسكرية والتدريب المشترك وتبادل الخبرات، إلا أن تحويل هذا الاهتمام إلى استنتاجات بشأن تغير التحالفات المصرية يظل مبالغة لا تدعمها طبيعة العلاقات المصرية المتوازنة مع القوى الدولية.
قراءة أمنية
ومن المنظور الأمني، يبرز العقيد هاني الحلبي، الخبير الأمني، أهمية قراءة التحولات الإقليمية من خلال الجغرافيا وموازين النفوذ وليس فقط من خلال طبيعة التحالفات المعلنة، إذ سبق أن تناول في تحليلات منشورة تأثير الموقع الجغرافي والممرات الحدودية والبحرية في إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، مؤكدًا أن الجغرافيا تتحول في أوقات الأزمات إلى أداة ضغط ونفوذ شديدة التأثير.
وبتطبيق هذه الرؤية على الحالة المصرية الصينية، يصبح التعاون بين القاهرة وبكين جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، خصوصًا أن مصر لا تمتلك فقط موقعًا جغرافيًا حيويًا، وإنما تتحكم أيضًا في قناة السويس، وتطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وهو ما يجعل أي شراكة دولية واسعة معها محل اهتمام القوى الكبرى.
شراكة اقتصادية
وعلى الجانب الاقتصادي، تبدو العلاقة المصرية الصينية أكثر رسوخًا، إذ تعد الصين من أبرز الشركاء التجاريين لمصر، بينما تتوسع الاستثمارات الصينية في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والنقل، وهو ما يمنح القاهرة فرصًا للاستفادة من التمويل والخبرات ونقل التكنولوجيا، في الوقت الذي تحصل فيه بكين على حضور اقتصادي متزايد في سوق إقليمي مهم.
وتمنح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تحديدًا بعدًا استراتيجيًا إضافيًا للعلاقات بين البلدين، فوجود استثمارات ومشروعات صينية بالقرب من أحد أهم طرق التجارة الدولية يحقق مصالح اقتصادية متبادلة، ويجعل العلاقة أبعد من مجرد تبادل تجاري تقليدي.
بريكس والقاهرة
وتتزامن هذه العلاقات مع عضوية مصر في مجموعة بريكس، بما يفتح أمام القاهرة مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي والمالي والاستثماري مع مجموعة من الاقتصادات الكبرى، ويمنحها فرصة للاستفادة من التغيرات التي يشهدها النظام الاقتصادي الدولي.
وتأتي الصين في مقدمة القوى المؤثرة داخل هذا الإطار، وهو ما يجعل التعاون بين البلدين متصلًا بصورة مباشرة برؤية مصر لتنويع علاقاتها الاقتصادية، وفتح أسواق جديدة أمام الاستثمار والتجارة، وتعزيز قدرتها على جذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا.
رسائل سياسية
ولا تنفصل الرسائل الاقتصادية والعسكرية عن الموقف السياسي، إذ تتفق القاهرة وبكين في عدد من الملفات الدولية على أهمية احترام سيادة الدول، واللجوء إلى الحلول السياسية، ودعم القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، ورفض توسيع دائرة الصراعات بما يهدد استقرار المنطقة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة في ظل الأزمات التي تضرب الشرق الأوسط، حيث تتحرك مصر باعتبارها طرفًا رئيسيًا في جهود التهدئة وحماية الأمن الإقليمي، بينما تسعى الصين إلى توسيع حضورها السياسي والدبلوماسي في المنطقة بما يتناسب مع ثقلها الاقتصادي والدولي.
توازنات جديدة
وتكشف زيارة شي جين بينغ عن حقيقة أكثر اتساعًا، مفادها أن القاهرة تتحرك في مساحة دقيقة بين القوى الكبرى، فلا تغلق أبوابها أمام واشنطن، ولا تتردد في توسيع علاقاتها مع بكين وموسكو وغيرها، وإنما تعمل على بناء شبكة علاقات متعددة تسمح لها بحماية مصالحها الوطنية وتعزيز قدرتها على المناورة في عالم لم يعد يعرف التحالفات الجامدة بالصورة التي كانت عليها في العقود الماضية.
وفي هذا الإطار، فإن التعاون العسكري مع الصين يمثل أحد أوجه هذه السياسة، بينما يمثل التعاون الاقتصادي والاستثماري وجهًا آخر، وتبقى العلاقات السياسية والدبلوماسية هي الإطار الذي يجمع هذه المسارات ويمنحها القدرة على الاستمرار.
بوابة استراتيجية
وتنظر بكين إلى مصر باعتبارها بوابة مهمة إلى أفريقيا والعالم العربي، بينما ترى القاهرة في الصين قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى يمكن الاستفادة من إمكاناتها في دعم مشروعات التنمية ونقل التكنولوجيا وتوسيع قاعدة الشركاء الدوليين.
وبينما تتابع واشنطن وتل أبيب تطورات هذا التقارب بحسابات أمنية واستراتيجية، تبدو القاهرة أكثر اهتمامًا بتحقيق مكاسب مباشرة من الشراكة، والحفاظ في الوقت نفسه على توازن علاقاتها الدولية، بما يحول دون انتقالها من محور إلى آخر، ويؤكد أن السياسة المصرية تقوم على تعدد الشركاء وحماية المصالح الوطنية.
وتشير زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة انها ليست محطة بروتوكولية عابرة، وإنما حلقة جديدة في مسار شراكة تتسع دوائرها من الاقتصاد إلى السياسة ومن الاستثمار إلى الدفاع، وتأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتطلب من القاهرة الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الخيارات الاستراتيجية.
ومع استمرار التعاون المصري الصيني، ستظل القاهرة حريصة على معادلة دقيقة تقوم على تنويع مصادر القوة والتكنولوجيا والاستثمار، مع الحفاظ على علاقاتها الدولية القائمة، لتصبح الشراكة مع بكين ورقة إضافية في يد الدولة المصرية، لا بديلًا عن شراكاتها الأخرى، وهو ما يجعل الزيارة محط أنظار عواصم المنطقة والقوى الكبرى على حد سواء












تأجيل محاكمة المتهم بانتحال صفة قاض و3 موظفين بمحكمة شمال القاهرة
السيطرة على حريق داخل مستشفي الحميات بإمبابة
مصرع 3 أشخاص وإصابة 6 في حادث تصادم بطريق شبرا بنها الحر
اليوم...محاكمة عاطل حاول سرقة سيارة بالمرج
أسعار الفراخ والبيض اليوم الأحد 30 أغسطس 2026
أسعار الذهب اليوم الأحد فى محلات الصاغة .. عيار 24: 7222.86 جنيه...
أسعار الذهب اليوم الجمعة 28 أغسطس 2026
أسعار الذهب مساء اليوم الخميس 27 أغسطس 2026