الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 06:02 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الإعلامى الدكتور احمد شندى يكتب: مصر والسعودية.. حين يكون التاريخ أقوى من السياسة ومصير البلدين في مركب واحد

الإعلامى الدكتور احمد شندى
الإعلامى الدكتور احمد شندى


ليست كل الزيارات الرسمية مجرد مواعيد على أجندة السياسة، وليست كل القمم مجرد صور ومصافحات وبيانات ختامية.
هناك لقاءات تحمل في داخلها ذاكرة أمة، وتختصر عقودًا من التاريخ، وتبعث برسائل تتجاوز حدود البروتوكول والسياسة.
ومن هنا تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى مصر.
فحين يزور ولي العهد السعودي القاهرة، فهو لا يزور عاصمة عربية فحسب، وإنما يزور بلده الثاني؛ بلدًا ارتبط بالمملكة بعلاقات لم تصنعها السياسة وحدها، وإنما صنعتها الجغرافيا والتاريخ والدماء والمواقف والشعوب والثقافة والمصالح والمصير المشترك.
مصر والسعودية.. ليستا دولتين متجاورتين في الوجدان العربي، وإنما دولتان في مركب واحد.
حين تعلّمنا السنين: من نكون ولمن نعود؟
علمتنا التجارب أن العلاقات الحقيقية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات، ولا بحجم الاستثمارات، ولا بعدد الزيارات المتبادلة.
العلاقات الحقيقية تُقاس بالسؤال الأصعب: من يقف إلى جوارك عندما تهتز الأرض تحت قدميك؟
وهنا يأتي التاريخ شاهدًا.
فمصر والسعودية مرتا بعقود طويلة من التحولات العربية والإقليمية والدولية، واختلفت الرؤى في بعض المراحل، وتبدلت الظروف، وتغيرت خرائط السياسة، لكن ظل هناك خيط لا ينقطع.
خيط اسمه: المصير المشترك.
فالقاهرة تعرف الرياض، والرياض تعرف القاهرة، وكلاهما يدرك أن قوة الآخر ليست خصمًا من قوته، وإنما إضافة إليها.
ليست جغرافيا.. إنها ذاكرة شعوب
مصر والسعودية ليستا فقط البحر الأحمر الذي يفصل بين ضفتين، وليستا فقط التاريخ والجغرافيا.
العلاقة أكبر من ذلك.
في السعودية ملايين المصريين الذين شاركوا في مسيرة التنمية، من الطبيب إلى المهندس، ومن المعلم إلى العامل، ومن الأكاديمي إلى رجل الأعمال.
مصريون وجدوا في المملكة فرصة للعمل والحياة، ووجدوا بين أهلها تقديرًا واحترامًا.
وفي مصر، يظل السعودي ضيفًا عزيزًا، وتظل المملكة في وجدان المصريين مرتبطة بمكة المكرمة والمدينة المنورة وبلاد الحرمين الشريفين.
هناك الحرم، وهنا النيل.
هناك مكة والمدينة، وهنا القاهرة والأهرامات.
هناك تجربة تنموية سعودية تتقدم بسرعة مذهلة، وهنا دولة تمتلك أحد أقدم وأثقل المراكز الحضارية والسياسية في المنطقة.
وبين الاثنين بحر أحمر لم يكن يومًا حاجزًا حقيقيًا.
فالبحر قد يفصل الجغرافيا، لكنه لا يستطيع أن يفصل الشعوب.
القاهرة التي أحبها العرب
ولأن العلاقة لم تكن سياسية فقط، فمن المستحيل أن نتحدث عن مصر والسعودية دون أن نتحدث عن الثقافة والفن.
القاهرة كانت لعقود طويلة عاصمة الفن والثقافة العربية.
ومن القاهرة خرجت أصوات ومبدعون تركوا بصماتهم في كل بيت عربي.
وكان صوت أم كلثوم يصل إلى الخليج، كما يصل اليوم الإنتاج الثقافي والإعلامي والفني السعودي إلى مصر والعالم العربي.
وتبقى الحكايات التي ربطت أبناء الأسرة المالكة السعودية بالقاهرة وفنها جزءًا من ذاكرة العلاقة الشعبية والثقافية بين البلدين.
فالقصة لم تكن في أغنية.
القصة في أن القاهرة كانت حاضرة في الوجدان السعودي، كما كانت السعودية حاضرة في الوجدان المصري.
وهذه هي العلاقات التي يصعب على السياسة أن تهدمها.
1956.. عندما تكلمت المواقف
التاريخ لا يجامل أحدًا.
وعندما نفتح صفحاته، نجد أن المملكة العربية السعودية وقفت إلى جانب مصر في مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، وقدمت دعمًا سياسيًا واقتصاديًا، وأعلنت التعبئة العامة في مواجهة العدوان.
وفي تلك الأيام، لم تكن المسافة بين القاهرة والرياض تُقاس بالكيلومترات.
كان الموقف واحدًا، والخطر واحدًا، والإحساس بالمصير واحدًا.
وتتناقل المصادر التاريخية روايات عن الأمير سلمان بن عبدالعزيز، الملك السعودي اليوم، وموقفه من الدفاع عن مصر خلال تلك المرحلة.
وبغض النظر عن التفاصيل التي تختلف فيها الروايات، فإن الثابت أن السعودية الرسمية والشعبية وقفت إلى جانب مصر في لحظة تاريخية فارقة.
وهنا تكمن قيمة التاريخ: الدول لا تُعرف فقط بما تقوله في أيام الرخاء، وإنما بما تفعله في أيام المحن.
1973.. فيصل يقول إن مصر ليست وحدها
ثم جاءت حرب أكتوبر 1973.
لحظة أخرى كتب فيها التاريخ اسمه بحروف واضحة.
كان الملك فيصل بن عبدالعزيز في مقدمة المساندين لمصر وسوريا، سياسيًا واقتصاديًا، واتخذت المملكة موقفًا قويًا في استخدام النفط كأداة ضغط على الدول الداعمة لإسرائيل.
لم يكن الأمر مجرد قرار اقتصادي.
كان موقفًا سياسيًا له رسالة واضحة: حين تدخل مصر معركة مصيرية، لا تقف السعودية على الرصيف تتفرج.
قد تختلف الأجيال، وقد تتغير أدوات المواجهة، لكن المبدأ بقي حاضرًا: الأمن العربي لا يتجزأ.
واليوم.. التاريخ يلتقي بالمستقبل
اليوم نحن أمام مشهد مختلف.
السعودية بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان تعيش مرحلة تحول تاريخي كبير، تقودها رؤية المملكة 2030، وتعيد من خلالها بناء الاقتصاد وتنويع مصادر القوة والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والمشروعات العملاقة.
ومصر، في المقابل، تواصل تثبيت مكانتها كدولة محورية في الشرق الأوسط، بما تملكه من موقع جغرافي استراتيجي، وقوة بشرية، ومؤسسات، وجيش، وثقل سياسي وحضاري وإعلامي.
وهنا لا يصبح السؤال: من الأقوى؟
وإنما السؤال الأكثر ذكاءً: ماذا تستطيع القوتان أن تفعلا معًا؟
وهذا هو جوهر العلاقة في المرحلة المقبلة.
مصر والسعودية.. قوة تكمل قوة
السعودية تمتلك الطاقة والقدرة الاستثمارية والمشروعات الكبرى والطموح الاقتصادي.
ومصر تمتلك السوق والقوة البشرية والخبرات المتراكمة والموقع الجغرافي والمؤسسات والبنية الحضارية والثقافية.
عندما تلتقي هذه العناصر، فإن الناتج لا ينبغي أن يكون مجرد تجارة أو استثمارات متبادلة.
بل يمكن أن يكون تكاملًا استراتيجيًا.
في الطاقة، والصناعة، والنقل، واللوجستيات، والتكنولوجيا، والتعليم، والسياحة، والثقافة، والإعلام، والأمن الغذائي، والاقتصاد الرقمي، وغيرها من المجالات التي يمكن أن تجعل العلاقة المصرية السعودية نموذجًا حقيقيًا للتكامل العربي.
بعيدًا عن السياسة.. السياسة نفسها تجمعهما
قد يقول البعض: دعونا بعيدًا عن السياسة.
وأنا أقول: نعم، دعونا نبتعد قليلًا عن تفاصيل السياسة، لنرى الحقيقة بصورة أوضح.
لأن الإنسان هو أساس السياسة في النهاية.
انظر إلى ملايين المصريين في المملكة.
وانظر إلى آلاف العلاقات الأسرية والاجتماعية بين الشعبين.
انظر إلى الطالب المصري الذي يتعلم في السعودية، والطبيب الذي يعالج أبناءها، والمهندس الذي يشارك في مشروعاتها، والمعلم الذي يبني أجيالها، ورجل الأعمال الذي يستثمر فيها.
وانظر إلى السائح السعودي الذي يأتي إلى مصر، فيجد القاهرة والأقصر وأسوان والساحل والبحر المتوسط، ويجد قبل ذلك كله شعبًا يعتبره شقيقًا.
هذه ليست علاقات حكومات.
هذه علاقات شعوب.
وعندما تصبح العلاقات بين الشعوب بهذا العمق، تصبح السياسة أكثر استقرارًا، لأن خلفها قاعدة شعبية حقيقية.
عدو المصير واحد
المنطقة العربية اليوم ليست أمام تحدٍ واحد.
هناك حروب وصراعات، وهناك أزمات أمنية، وهناك اضطراب إقليمي، وهناك تدخلات دولية، وهناك تهديدات للملاحة والطاقة، وهناك محاولات لإعادة تشكيل موازين القوى.
وفي هذا المشهد، تحتاج المنطقة إلى دول كبيرة قادرة على التفكير بعيدًا عن ردود الفعل.
وهنا تأتي أهمية القاهرة والرياض.
ليس المطلوب أن تتطابق كل الرؤى في كل الملفات، فذلك غير واقعي.
المطلوب هو أن يعرف الطرفان أن هناك خطوطًا استراتيجية لا ينبغي أن تنكسر.
أمن البلدين.
استقرار المنطقة.
أمن البحر الأحمر.
الأمن العربي.
ومواجهة الفوضى والإرهاب والتدخلات التي تهدد استقرار الدول.
هذه ليست ملفات مصرية وحدها.
وليست سعودية وحدها.
إنها ملفات مصير.
القلب والعقل والروح
وربما أجمل وصف يمكن أن تختصر به العلاقة المصرية السعودية هو أن البلدين يمثلان قوتين مختلفتين لكنهما متكاملتان.
السعودية قلب ينبض بالحيوية والطاقة والقدرة الاقتصادية، وشرايين تضخ الاستثمار والتنمية في المنطقة.
ومصر عقل يملك الخبرة والتاريخ والقدرة البشرية والمؤسساتية، وروح تضخ الحياة في الجسد العربي.
لكن القلب لا يستطيع الاستمرار دون العقل، والعقل لا يمكن أن يعيش دون قلب.
ولهذا فإن قوة مصر ليست تهديدًا للسعودية، وقوة السعودية ليست خصمًا من مصر.
بل إن قوة كل منهما يمكن أن تكون سندًا لقوة الأخرى.
وهذه هي المعادلة التي يجب أن تنتقل من الخطابات إلى المشروعات والسياسات.
محمد بن سلمان في القاهرة.. رسالة أكبر من الزيارة
ولهذا فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة تحمل رسالة تتجاوز تفاصيل جدول الأعمال.
إنها تقول إن الرياض تنظر إلى القاهرة باعتبارها شريكًا رئيسيًا.
وتقول القاهرة إن الرياض بالنسبة إليها ليست مجرد دولة شقيقة، وإنما شريك استراتيجي وعمق عربي مهم.
وفي زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتتحرك فيه المصالح الدولية وفق حسابات دقيقة، فإن الحفاظ على العلاقات المصرية السعودية وتطويرها ليس رفاهية.
بل هو استثمار في المستقبل العربي نفسه.
لمن ينكر التاريخ.. التاريخ موجود
ولمن ينكر حقيقة العلاقة المصرية السعودية، نقول: افتح كتب التاريخ.
انظر إلى 1956.
وتذكر مواقف المملكة خلال العدوان الثلاثي.
ثم انتقل إلى 1973.
وتذكر الملك فيصل.
وتذكر النفط.
وتذكر الموقف السياسي.
ثم انظر إلى ملايين المصريين الذين عملوا ويعملون في المملكة.
وتذكر العلاقات الأسرية والاقتصادية والثقافية.
ثم انظر إلى حاضر البلدين.
ستجد أن هناك شيئًا أكبر من السياسة.
هناك تاريخ.
والتاريخ لا يُلغى بتغريدة، ولا يُمحى بخلاف سياسي، ولا تسقطه حملة إعلامية، ولا تغيره حسابات عابرة.
تتغير الأحوال.. لكن الثوابت تبقى
نعم، تتغير الأحوال.
وتتبدل الأوضاع.
وتختلف الحسابات.
وهذه سنة الحياة.
لكن الثوابت تبقى.
فالشمس هي الشمس.. والقمر هو القمر.
ومصر هي مصر.
والسعودية هي السعودية.
وما يجمعهما أعمق من ظرف سياسي عابر.
ولهذا، فإن الحكمة اليوم ليست في البحث عن نقاط الاختلاف، وإنما في بناء المساحات المشتركة.
فالأمم الكبيرة لا تقيس علاقاتها بمنطق: ماذا أخذت منك؟
بل بمنطق: ماذا يمكن أن نبني معًا؟
مركب واحد
في البحر، قد تختلف الأمواج، وقد تشتد الرياح، وقد تتغير الاتجاهات.
لكن البحارة يعرفون حقيقة واحدة:
حين يكون الجميع على مركب واحد، فإن إنقاذ المركب أهم من الخلاف حول من يمسك بالمجداف.
وهكذا هي مصر والسعودية.
مركب واحد.
تاريخ واحد.
مصالح مشتركة.
وشعبان شقيقان.
ومستقبل يجب أن يُبنى معًا.
زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى مصر ليست مجرد زيارة مسؤول سعودي إلى القاهرة.
إنها لحظة تذكّرنا بأن العلاقات بين البلدين أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأعمق من الملفات السياسية.
إنها علاقة شعوب.
وعلاقة تاريخ.
وعلاقة جغرافيا.
وعلاقة مصير.
ولذلك، فإن الرسالة التي يجب أن يسمعها الجميع واضحة:
مصر والسعودية عندما تتفقان، لا يربح البلدان وحدهما.. وإنما تربح المنطقة العربية مساحة أكبر من الاستقرار والقوة والأمان.
حفظ الله مصر والمملكة العربية السعودية، وحفظ شعبيهما، وأدام بينهما المحبة والتعاون والتكامل، وجعل القاهرة والرياض دائمًا قلبين نابضين في جسد عربي واحد.
مصر والسعودية.. لا تفترقان مهما اختلفت الأمواج.
فهما ضفتا بحر.. وسلسلة جبال ترى بعضها بعضًا.. وقلب وعقل وروح في مركب واحد.
حفظ الله مصر.. وحفظ المملكة العربية السعودية.. وحفظ شعبيهما الشقيقين.
حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها.

الإعلامى الدكتور احمد شندى مصر والسعودية.. حين يكون التاريخ أقوى من السياسة ومصير البلدين في مركب واحد الجارديان المصريه