الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 05:30 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد عبدالله القاضي يكتب: محمدعبدالله القاضي يكتب صرخةُ وعيٍ في زمنِ المَهزلةِ: حين يبيعُ القطيعُ شرفَ الغائبينَ في سوقِ «الترند»!

الكاتب الكبير محمد عبدالله القاضي
الكاتب الكبير محمد عبدالله القاضي

​تتبخرُ الأخلاقُ تَبخُّرَ العطرِ في مهبِّ الريحِ، ليطلَّ علينا مجتمعٌ أدمنَ التَّشفي، وباتَ يرتزقُ على جراحاتِ الآخَرينَ.
​لم يعدِ الخطبُ محصوراً في جريمةٍ تُرتكبُ في الظَّلامِ، بل في كارثةٍ أعظمَ: تحويلِ مآسي البشرِ إلى «سيركٍ» شعبيٍّ ومادةٍ للتَّسليةِ الرَّخيصةِ! كأنَّ الموبايليَّ في يدِ أحدهم قد تحولَّ إلى مدفعِ رشاشٍ يغتالُ به كراماتِ الآمنينَ بلا رادعٍ من دينٍ أو ضميرٍ.
​أولاً: المشهدُ النَّفسيُّ والاجتماعيُّ.. سيكولوجيةُ القطيعِ المريضِ
​يُصابُ الفردُ في هذا المستنقعِ بانفصامٍ حادٍّ؛ تراه يتباكى ظاهراً على الفضيلةِ، بينما تتسابقُ أصابعُه بنهمٍ مريضٍ لنشرِ العارِ.
​إنها «سيكولوجيةُ القطيعِ الأعمى»، حيث يلهثُ الملايينُ خلفَ أوهامِ المشاهداتِ والإعجاباتِ، مستعدينَ لبيعِ أخلاقِهم في بازارِ الشُّهرةِ الرَّخيصةِ.
​فالإنسانُ هنا لم يعد إنساناً، بل كاميرا تجوبُ بحثاً عن دماءِ الآخرينَ لتروي بها ظمأَ الفراغِ الروحيِّ والنفسيِّ الذي يعاني منه.
​ثانياً: المهزلةُ القضائيةُ الافتراضيةُ.. محاكماتُ الجهلِ
​يا لعجَبِ هذا العصر ! تُقَامُ محاكمُ التَّفتيشِ على شاشاتِ الهواتفِ، ويُعلَنُ الحُكمُ بالإعدامِ المعنويِّ على متهمٍ قبلَ أن تتحركَ خُطى العدالةِ!
​النيابةُ تتصوَّرُ، والقضاءُ يحكمُ؟ لا.. بل الفيسبوكُ يُحاكمُ، والتيك توكُ يُدينُ، والجهلُ المُمطَّرُ بالتعليقاتِ يُنفِّذُ الحُكمَ!
​تُغتصبُ الخصوصياتُ، وتُنتَهكُ حُرُماتُ البيوتِ والأعراضِ، ويُصبِحُ «الشيرُ» هو القاضي العادلُ الذي لا يخطئُ في زعمِهم، متناسينَ أنَّ سمعةَ إنسانٍ قد تُمحى في ثانيةٍ بسببِ فيديو ناقصٍ أو كذبةٍ مُنمَّقةٍ.
​ثالثاً: السُّخريةُ المريرةُ من «المسرحيةِ السُّوداء»
​تأمَّلِ المشهدَ بتهكمٍ لاذعٍ: شعبٌ يملأُ الدنيا صراخاً عن الأخلاقِ والدينِ، فإذا انفتحَ بابُ فضيحةٍ، تحولَ أطهرُهم إلى «مُحققِ كونان»، وأعظمُهم وعظاً إلى «بائعِ فجلٍ» في سوقِ الأعراضِ!
​تجدُ أحدهم يكتبُ آيةً قرآنيةً في أعلى صفحته، وفي الأسفل مباشرةً يضعُ رابطاً لفيديو يهشِّمُ شرفَ عائلةٍ بريئةٍ! أيُّ نفاقٍ هذا الذي يُصنَعُ على نارٍ هادئةٍ من التكنولوجيا المدمرةِ؟
​أصبحنا نتركُ قضايا الكرامةِ والوطنِ لنحاربَ في معاركِ «الترنداتِ» السخيفةِ، لنصدقَ أنَّ قيمةَ الإنسانِ تُقاسُ بعددِ المُشاهداتِ لا بنقاءِ سريرته!
​رابعاً: البعدُ الدِّينيُّ والأخلاقيُّ.. أينَ سِترُ الله؟
​«مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»
​أينَ ذهبت هذه الكلماتُ النَّبويَّةُ الشريفةُ من قلوبٍ قست حتى صارت أشدَّ قسوةً من الحجارةِ؟
​إنَّ نشرَ الفاحشةِ وإشاعةَ الفضائحِ ليسَ «بطولةً إعلاميةً» ولا «غيرةً على المجتمعِ»، بل هو عينُ الخرابِ الدينيِّ والاخلاقيِّ.
​إنَّ السترَ ليس تواطؤاً مع الجريمةِ، بل هو حراسةٌ لكيانِ المجتمعِ من الانهيارِ. فالقانونُ للدولةِ، والتحقيقُ للنيابةِ، والقصاصُ للقضاءِ، وأما دورُنا نحنُ كبشرٍ فهو الرَّحمةُ، والسترُ، وعدمُ الشَّماتةِ.
​خامساً: التَّنميةُ والتَّغييرُ.. اصنعوا واعيًا لا ترنداً!
​إنَّ التَّنمية الحقيقيَّة تبدأ من إعمارِ العقولِ قبل إعمارِ الحجرِ؛ وبناءِ إنسانٍ يدركُ أنَّ حريَّتَه تنتهي عند كرامةِ الآخرينَ.
​علينا أن نعلِّمَ أجيالنا القاعدةَ الذهبيةَ للتكنولوجيا: «ليس كلُّ ما يُعرفُ يُقالُ، وليس كلُّ ما يُقالُ يُكتبُ، وليس كلُّ ما يُنشرُ يُشارَكُ».
​الخلاصةُ.. قِفْ مكانَك!
​قبل أن تضغطَ على زرِّ «مشاركة» أو «شير»، تذكرْ أنَّك لستَ بطلًا خارقاً، بل قد تكونُ جلاداً يقتلُ إنساناً بريئاً بلمسةِ إصبعٍ.
​قفْ.. وأوقفِ المهزلةَ عندك!
​دعِ الفضيحةَ تموتْ بموتِ صاحبِها، ولا تكن أنتَ القبرَ الذي يُحييها. فمن حسنِ إسلامِ المرءِ تركه ما لا يعنيه.
​سؤالٌ نختمُ به لعلَّ الضميرَ يَحيى:
متى ندركُ أنَّ السَّقوطَ في بئرِ «الترند» لا يُقيمُ أمةً، وأنَّ السترَ والكرامةَ هما الحصنُ الأخيرُ لما تبقى من إنسانيتنا؟

محمد عبدالله القاضي محمدعبدالله القاضي يكتب صرخةُ وعيٍ في زمنِ المَهزلةِ: حين يبيعُ القطيعُ شرفَ الغائبينَ في سوقِ «الترند»! مقالات محمد عبدالله القاضي الجارديان المصريه