الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 10:55 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب : فاتورة سبتمبر.. المعركة التي تُدار في البيوت

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

ينظر مسؤولو التخطيط إلى شهر سبتمبر بوصفه مجرد موعد تقويمي لعودة ملايين الطلاب إلى مقاعدهم لكنه في الحقيقة يمثل أصعب اختبار مالي ونفسي تمر به الأسرة المصرية على مدار العام. في هذا التوقيت تحديدا لا تشغل بال الناس فلسفة تطوير المناهج ولا تصريحات مسؤولي التعليم حول رقمنة الفصول كل هذا يتبخر أمام اللحظة الخشنة التي يقف فيها الأب والأم أمام ورقة الحسابات لمواجهة موجة التكاليف التي تنقض على الميزانية دفعة واحدة ودون سابق إنذار القضية لم تعد تتعلق بتدبير المصروفات الدراسية المباشرة فهذا الرقم مهما زاد يظل البند الأسهل تفاوضا وجدولة. المشكلة الحقيقية تكمن في ذلك الإنفاق الموازي الذي تسلل بهدوء ليصبح هو الأصل في ميزانية التعليم. تبدأ المعركة من أسواق الأدوات المكتبية والزي المدرسي حيث تحولت متطلبات الدراسة إلى قوائم تعجيزية لا ترحم يفرضها بعض مديري المدارس وكأنها شروط انتساب لنادٍ نخبوي لا مجرد أدوات لتلقي العلم. والأخطر هو ذلك السباق المبكر لحجز مقاعد الدروس الخصوصية في الشهادات العامة وسنوات النقل على السواء حيث تفتح المراكز الخاصة أبوابها في عز حر الصيف وتفرض تسعيرتها على الأسر قبل أن تطبع الوزارة كتبها المدرسية في مفارقة تكشف حجم الفجوة بين الواقع النظري وما يدور على الأرض هذا الضغط المالي يضع الطبقة الوسطى أمام مأزق طبقي ونفسي شديد الحرج. المواطن الذي ضغط نفقات طعامه، وتخلى عن كمالياته وأعاد تدوير أثاثه لمواجهة التضخم يصل إلى منطقة خط أحمر حين يتعلق الأمر بتعليم أولاده. هنا يمتنع التقشف فالأب يرى في حرمان ابنه من كتاب خارجي أو زي لائق أو حصة تقوية انكساراً معنوياً لا يغتفر، والأم مستعدة للاستدانة أو بيع ما تبقى في يدها من مدخرات كي لا يشعر الطفل بنقص أمام أقرانه في الفصل. لقد أصبح الإنفاق على التعليم معركة نفسية لإثبات الجدارة وصيانة الكرامة في مجتمع بات يحاصر أبناءه بمقارنات استهلاكية بالغة القسوة داخل أسوار المدارس وخارجها المأزق الأكبر يكمن في تحول التعليم من خدمة عامة تكفلها الدولة إلى عبء تمويلي ذاتي تتحمله البيوت بالكامل. فالأسر لا تلجأ للدروس الخصوصية ولا تشتري الكتب الخارجية ترفا أو حبا في إنفاق المال بل تفعل ذلك بدافع الاضطرار لتعويض الغياب الفعلي للكفاءة داخل الفصول المتكدسة. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تواجهها وزارة التربية والتعليم بشجاعة كل جنيه يخرج من جيب رب الأسرة للمدرس الخصوصي أو لمكتبات الفجالة هو في جوهره إدانة صريحة لعجز المدرسة عن أداء وظيفتها الأساسية. التخفيف الحقيقي عن الناس لا يأتي من معارض مؤقتة لبيع الحقائب والكشاكيل بأسعار مخفضة رغم فائدتها الآنية، بل يبدأ من إعادة الاعتبار لحصة الشرح في الصباح وانضباط المعلم وتوفير كتاب مدرسي يغني الطالب عن الاستجداء في السوق الموازي. التعليم في مصر لم يكن يوما مجرد مرحلة عمرية يمر بها الصغار بل كان دائما المصعد الاجتماعي الوحيد الذي تراهن عليه الأسر الكادحة لكسر حلقة الفقر وتأمين مستقبل أفضل لأبنائها. وحين يتحول هذا المصعد إلى استنزاف مالي يقصم ظهور الآباء تصاب فكرة العدالة وتكافؤ الفرص في مقتل. المطلوب اليوم ليس قرارات وزارية نمطية تكرر التنبيه بعدم ربط تسليم الكتب بالمصروفات بل شجاعة إدارية حقيقية تضبط فوضى الأسواق والمدارس وتلزم المنظومة بتدريس حقيقي داخل الأسوار حتى يعود سبتمبر شهرا للعلم والتفاؤل لا كابوسا سنويا يفرغ جيوب البيوت ويتركها تصارع لتأمين قوت يومها.

شحاتة زكريا مقالات شحاتة زكريا فاتورة سبتمبر.. المعركة التي تُدار في البيوت الجارديان المصريه