الأربعاء 30 سبتمبر 2026 09:04 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الدكتورة يسرا شعبان تكتب : إعاقة حركة المركبات: من يدفع ثمن الوقت الضائع؟

الدكتورة يسرا شعبان
الدكتورة يسرا شعبان

قد تبدو واقعة بسيطة أن يوقف شخص سيارته أمام سيارة أخرى متوقفة، بحيث يمنع صاحبها من الخروج. وقد تنتهي المسألة في الواقع بمجرد وصول صاحب السيارة المخالفة وتحريكها. لكن ماذا لو استمر التعطيل ساعة أو أكثر؟ ماذا لو أدى إلى ضياع موعد عمل، أو رحلة، أو امتحان، أو موعد طبي، أو فرصة مهمة لا يمكن استردادها؟ وماذا لو كان الشخص يحاول الوصول إلى قريب في حالة حرجة؟ هنا لا تعود المسألة مجرد مخالفة مرورية، وإنما تطرح سؤالًا قانونيًا أدق: هل يكفي أن يعاقب القانون صاحب السيارة المخالفة، أم ينبغي أيضًا أن يوفر حماية مباشرة للشخص الذي تحمل الضرر؟
يعالج قانون المرور المصري رقم 66 لسنة 1973 مسألة تعطيل حركة المرور، وتجيز المادة 65 اتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة ما يؤدي إلى تعطيل أو إعاقة حركة المرور. كما أن اللائحة التنفيذية لقانون المرور تتضمن حظر الوقوف في الأماكن التي يؤدي الوقوف فيها إلى إعاقة تحرك مركبة أخرى متوقفة.
وتوجد، إلى جانب ذلك، المادة 75/7 من قانون المرور التي تتناول تعمد تعطيل أو إعاقة حركة المرور بالطرق العامة، بما يبين أن المشرع يميز بين مجرد المخالفة المرورية وبين حالة التعمد التي تستوجب جزاءً أشد.
وتجدر الإشارة إلى أن، الواقعة قد تأخذ أكثر من تكييف بحسب ظروفها. فإذا أوقف شخص سيارته بطريقة تمنع سيارة أخرى من التحرك، فنحن أمام مخالفة مرورية موضوعية متى توافرت شروط النص، دون أن يكون من الضروري دائمًا إثبات أنه كان يقصد إلحاق الضرر بصاحب السيارة. أما إذا كان يعلم أن سيارته تمنع الأخرى من الحركة، ورفض تحريكها رغم تنبيهه، أو كان قد تعمد أصلًا وضعها في هذا الموضع لإعاقة شخص معين، فإن عنصر التعمد يصبح أكثر أهمية، وقد ننتقل من مجرد مخالفة الوقوف إلى النصوص التي تعاقب على التعمد في إعاقة حركة المرور. ثم توجد مسألة ثالثة مستقلة: هل تسبب هذا الفعل في ضرر للمضرور؟
وهنا نخرج من دائرة العقوبة المرورية إلى دائرة المسؤولية المدنية.
إذا انتقلنا إلى التجارب المقارنة، نجد أن التشريعات محل المقارنة اهتمت أساسًا بتجريم أو معاقبة السلوك المعيق لحركة المركبات، ووضعت له جزاءات مرورية وإدارية متفاوتة، إلا أنها لم تنشئ – في الأصل – نظامًا خاصًا وفوريًا لتعويض الشخص الذي أصابه الضرر من هذا التعطيل، وإنما تترك مسألة التعويض للقواعد العامة في المسؤولية المدنية.
ففي فرنسا، عالج قانون الطرق الفرنسي (Code de la route – قانون الطرق) الواقعة بصورة صريحة، إذ تعتبر المادة R417-10 الوقوفَ المعيق «وقوفًا مزعجًا» (stationnement gênant – الوقوف المعيق)، ومن صوره الوقوف في مكان يمنع الوصول إلى مركبة أخرى متوقفة أو يمنع إخراجها وتحريكها، إذ ينص على حالة يكون فيها وجود المركبة مانعًا «للوصول إلى مركبة أخرى متوقفة أو لإخراجها». ويُعاقب هذا الفعل باعتباره مخالفة من الدرجة الثانية، مع إمكانية اتخاذ إجراءات إدارية ضد المركبة، من بينها تثبيتها أو نقلها إلى المحجز في الحالات التي يحددها القانون. وهكذا يواجه القانون الفرنسي الفعل بعقوبة مرورية وبوسائل عملية لإنهاء الإعاقة، لكنه لا يحول الغرامة المرورية إلى تعويض تلقائي لصاحب المركبة المتضرر.
وفي ألمانيا، ينظم قانون المرور الألماني (Straßenverkehrs-Ordnung – لائحة السير على الطرق) قواعد التوقف والوقوف، ويقرر جزاءات مالية على صور الوقوف المخالف، وتزداد بعض الجزاءات بحسب ما إذا ترتب على المخالفة إعاقة أو خطر أو أضرار أخرى. كما يمكن للسلطات، بحسب ظروف الواقعة، اتخاذ إجراءات لإزالة المركبة المعيقة. أما تعويض الشخص الذي لحقه ضرر نتيجة هذا السلوك فلا يستمد، في الأصل، من الجزاء المروري ذاته، وإنما يُبحث وفق قواعد المسؤولية المدنية الواردة في القانون المدني الألماني Bürgerliches Gesetzbuch – القانون المدني الألماني.
أما في إنجلترا وويلز، فيجرّم قانون الطرق السريعة لعام 1980 (Highways Act 1980 – قانون الطرق السريعة) التعمد في إعاقة المرور الحر على الطريق العام، فيما يعرف بـ(wilful obstruction – الإعاقة العمدية للمرور). وبالتالي يركز النص الجنائي على سلوك المتسبب في الإعاقة وعقوبته، بينما تظل المطالبة بالتعويض عن الضرر الشخصي الذي أصاب أحد الأفراد مسألة مستقلة تخضع للقواعد المدنية وشروط المسؤولية والتعويض.
وهكذا، وعلى الرغم من اختلاف الصياغات والعقوبات ووسائل إزالة المخالفة من دولة إلى أخرى، تكشف المقارنة عن نقطة مشتركة مهمة: التشريعات تعاقب الفاعل على السلوك المعيق باعتباره إخلالًا بقواعد المرور والنظام العام، لكنها لا تجعل الغرامة المرورية تعويضًا للمضرور، ولا توفر – كأصل عام – آلية خاصة وفورية لجبر الضرر الذي أصابه. فإذا تجاوز الضرر مجرد تعطيل حركة المرور إلى خسارة أو فوات فرصة أو ضرر مادي أو أدبي، يعود المضرور إلى القواعد العامة في المسؤولية المدنية لإثبات حقه في التعويض.
في مصر، تضع المادة 163 من القانون المدني القاعدة العامة للمسؤولية التقصيرية، ومؤداها أن كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض.
لكن تطبيق القواعد العامة على وقائع التعطيل البسيطة قد يخلق مشكلة عملية: على المضرور أن يثبت الخطأ والضرر وعلاقة السببية، وأن يحدد الضرر الذي يطالب بالتعويض عنه.
فليس كل وقت ضائع ضررًا ماليًا قابلًا للتقدير تلقائيًا، وليس كل موعد فائت يؤدي بالضرورة إلى استحقاق تعويض.
وهنا تبرز فكرة فوات الفرصة، التي يمكن أن تكون مجالًا مهمًا لتطبيق قواعد المسؤولية المدنية، مع ضرورة إثبات عناصرها وعدم افتراضها لمجرد حدوث التأخير.
لا أرى أن المشكلة الأساسية هي غياب العقوبة؛ فالقانون المصري يعرف أصلًا مخالفة إعاقة حركة المرور والوقوف بطريقة تمنع حركة مركبة أخرى.
المشكلة هي الفجوة بين العقوبة وحماية المضرور.
ولذلك يمكن التفكير تشريعيًا في إنشاء آلية بسيطة وسريعة، إلى جانب الغرامة المقررة للدولة، تسمح بتعويض محدد للمضرور عن الإعاقة الثابتة، دون أن يمنعه ذلك من اللجوء إلى القضاء إذا ترتب على الواقعة ضرر أكبر، كضرر مادي محقق أو فوات فرصة حقيقية أو ضرر أدبي.
وقد يكون من المناسب أيضًا تشديد الجزاء عندما يثبت أن المخالف كان يعلم بالإعاقة ورفض إنهاءها، أو عندما ترتبط الواقعة بظرف استثنائي، كحالة طبية عاجلة.

#مدرس القانون بكلية الحقوق جامعة عين شمس

الدكتورة يسرا شعبان إعاقة حركة المركبات: من يدفع ثمن الوقت الضائع؟ الجارديان المصريه
⇧