مدحت الشيخ يكتب : الحل في التصنيع
لم يعد التصنيع مجرد خيار اقتصادي تسعى الدول من خلاله إلى زيادة إنتاجها أو تحسين معدلات النمو، بل أصبح ضرورة استراتيجية ترتبط ارتباطا مباشرا بالأمن القومي والاستقلال السياسي والقدرة على مواجهة الأزمات الدولية. ففي عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع الصراعات السياسية والعسكرية، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو احتياطيات نقدية، وإنما بقدرتها على الإنتاج وتوفير احتياجاتها الأساسية والاعتماد على قدراتها الذاتية.
لقد كشفت التطورات المتلاحقة في المنطقة، وما تشهده من اضطرابات وصراعات وتهديدات للممرات التجارية وسلاسل الإمداد، عن حجم المخاطر التي تواجه الاقتصادات المعتمدة بصورة كبيرة على الاستيراد. فأي توتر إقليمي أو أزمة دولية يمكن أن ينعكس سريعا على أسعار الغذاء والطاقة والمواد الخام، ويضع الدول أمام ضغوط متزايدة على عملاتها واحتياطياتها من النقد الأجنبي.
ومن هنا تبرز أهمية التصنيع باعتباره أحد أهم مفاتيح الخروج من دائرة الاعتماد على الخارج، وتقليل الضغوط على الدولار، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود في مواجهة المتغيرات.
فالدول التي تستورد معظم احتياجاتها، حتى وإن امتلكت موارد طبيعية كبيرة، تظل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار العملات وتغير السياسات التجارية للدول المصدرة. أما الدولة التي تمتلك قاعدة صناعية متنوعة، فإنها تستطيع إنتاج جانب كبير من احتياجاتها محليا، وتوفير العملة الصعبة التي كانت تنفقها على الاستيراد، فضلا عن إمكانية تصدير فائض إنتاجها وجذب موارد جديدة من النقد الأجنبي.
وكسر هيمنة الدولار لا يتحقق بالشعارات أو القرارات الإدارية وحدها، ولا بمجرد الدعوة إلى التعامل بعملات أخرى، وإنما يبدأ من بناء اقتصاد منتج يمتلك القدرة على المنافسة والتصدير. فعندما تنتج الدولة غذاءها ودواءها واحتياجاتها الصناعية والتكنولوجية، تتراجع حاجتها إلى العملات الأجنبية، وتزداد قدرتها على إدارة مواردها النقدية بصورة أكثر استقلالا.
والأهم أن التصنيع يمثل أحد أكبر مصادر توفير فرص العمل المستدامة، فالمصنع لا يوفر وظيفة للعامل داخله فقط، بل يفتح المجال أمام شبكة واسعة من الأنشطة المرتبطة به، تبدأ من نقل المواد الخام وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتمتد إلى الخدمات الهندسية والصيانة والتسويق والتوزيع والتجارة. وبذلك تتحول الصناعة إلى محرك حقيقي للتشغيل وتحسين مستويات المعيشة.
كما أن التوسع الصناعي يمنح الشباب فرصا لاكتساب المهارات الفنية والتكنولوجية، ويعيد الاعتبار إلى التعليم الفني والتدريب المهني باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء الاقتصاد الحديث. فلا يمكن الحديث عن نهضة صناعية دون عمالة مدربة، ومراكز بحث وتطوير، وجامعات قادرة على ربط المعرفة باحتياجات المصانع والأسواق.
وفي ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، تكتسب قضية الاكتفاء الذاتي أهمية مضاعفة، خصوصا في القطاعات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الغذاء والدواء والطاقة والصناعات الهندسية ومستلزمات الإنتاج. فامتلاك القدرة على توفير الحد الأدنى الآمن من هذه الاحتياجات يمنح الدولة مساحة أكبر للتحرك، ويحمي مواطنيها من تداعيات الحروب والأزمات وإغلاق الممرات التجارية أو تعطل حركة الملاحة الدولية.
ولا يعني الاكتفاء الذاتي الانغلاق على العالم أو الاستغناء الكامل عن الاستيراد، فذلك أمر يصعب تحقيقه في ظل طبيعة الاقتصاد العالمي وتشابك سلاسل الإنتاج. لكن المقصود هو امتلاك قاعدة إنتاجية وطنية تقلل الاعتماد على الخارج في السلع الضرورية، وتمنع تحول الاحتياجات الأساسية إلى أوراق ضغط في أوقات الأزمات.
وهنا يجب أن تتجه السياسات الاقتصادية إلى دعم الصناعات التي تمتلك فيها الدول مقومات النجاح، وتعميق التصنيع المحلي بدلا من الاكتفاء بتجميع المنتجات المستوردة، وتشجيع انتقال التكنولوجيا، وتوطين الصناعات المتقدمة، وتقديم حوافز حقيقية للمستثمرين الجادين، مع إزالة العقبات البيروقراطية وتوفير التمويل المناسب والطاقة والأراضي الصناعية.
كما ينبغي أن تحظى المشروعات الصغيرة والمتوسطة بدور أكبر في منظومة التصنيع، باعتبارها حلقة أساسية في توفير مكونات الإنتاج للمصانع الكبرى، وتوسيع قاعدة الموردين المحليين. فالصناعة القوية لا تقوم على عدد محدود من المصانع العملاقة فقط، وإنما تحتاج إلى شبكة متكاملة من الشركات والمصانع التي تتعاون فيما بينها وتضيف قيمة حقيقية للاقتصاد.
ومن الضروري أيضا ألا تتحول دعوات التصنيع المحلي إلى مبرر لإنتاج سلع مرتفعة التكلفة أو ضعيفة الجودة، لأن حماية الصناعة الوطنية لا تعني إعفاءها من المنافسة، بل مساعدتها على التطور والوصول إلى مستويات عالمية من الجودة والكفاءة. فالمستهلك يجب أن يكون المستفيد الأول من التصنيع، سواء من خلال توافر المنتجات أو انخفاض تكلفتها أو تحسن جودتها.
إن امتلاك الصناعة يمنح الدول أيضا قوة تفاوضية أكبر في علاقاتها الدولية، ويجعلها أقل تعرضا للضغوط الاقتصادية، وأكثر قدرة على حماية مصالحها في عالم أصبحت فيه التجارة وسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية أدوات مؤثرة في موازين القوى.
وبالنسبة إلى مصر والمنطقة العربية، فإن الفرصة لا تزال قائمة لبناء قاعدة صناعية إقليمية متكاملة، تستفيد من تنوع الموارد الطبيعية والبشرية، واتساع الأسواق، والموقع الجغرافي الاستراتيجي. فالتكامل بين الدول العربية في مجالات الصناعات الغذائية والدوائية والبتروكيماويات والطاقة والصناعات الهندسية يمكن أن يخلق سوقا إنتاجية ضخمة، ويقلل الاعتماد على الاستيراد من خارج المنطقة، ويفتح آفاقا أوسع للتصدير والمنافسة الدولية.
إن معركة الاستقلال الاقتصادي لا تبدأ من البنوك وحدها، ولا تحسمها الاحتياطيات النقدية مهما بلغت، وإنما تبدأ من المصنع والحقل ومراكز البحث والتطوير، ومن القدرة على تحويل الموارد إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
لقد أثبتت الأزمات أن الدول التي لا تنتج احتياجاتها تظل رهينة لما يحدث خارج حدودها، وأن امتلاك المال وحده لا يكفي عندما تتعطل الأسواق أو تتوقف الإمدادات أو تتصاعد الصراعات.
ولذلك فإن التصنيع ليس مجرد وسيلة لزيادة الناتج المحلي، بل هو استثمار في أمن الأجيال القادمة، وضمانة لتوفير فرص العمل، وأداة لتقليل الاعتماد على الدولار، وحائط صد أمام تداعيات الاضطرابات الإقليمية والدولية.
فالطريق إلى اقتصاد قوي لا يبدأ بكثرة ما نستورد، وإنما بقدرتنا على أن ننتج.. والطريق إلى استقلال القرار يبدأ من امتلاك أدوات الإنتاج.












السيطرة على حريق محدود بالمدرسة الميكانيكية الثانوية بسوهاج
اليوم.. جلسة محاكمة 222 متهمًا في قضية جنايات مدينة نصر
تجديد حبس المتهم بقتل زوجته فى العجوزة
تفاصيل إصابة 6 أشخاص في حادث إنقلاب سيارة ميكروباص بالبدرشين
أسعار الذهب اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026.. عيار 21 بـ6280 جنيها
ثبات سعر الدولار مقابل الجنيه فى البنوك اليوم الخميس
سعر الدولار في البنوك والسوق السوداء اليوم الجمعة 2 - 10 -...
البورصة تختتم أولى جلسات أكتوبر بمكاسب جماعية.. ورأس المال يربح 128.9 مليار...