الجمعة 30 أكتوبر 2026 08:53 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. بهاء درويش يكتب: متى يكون الحدث ابتلاء؟

دكتور بهاء درويش
دكتور بهاء درويش

قال تعالى " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين" ( البقرة: 155)
تجمع التفاسير الطبري، القرطبي، ابن كثير أن الابتلاء هنا هو اختبار من الله تارة بالسراء وتارة بالضراء وإن كان أصله هو المحنة. غرض هذا الابتلاء هو امتحان الناس ليعلم الله الصابرين على البلاء فيثيبهم والقانطين فيعاقبهم. 
وان كان قد جاء في تفسير ابن كثير أن بعض المفسرين ذهبوا إلى أن المراد من الخوف هاهنا : خوف الله ، وبالجوع : صيام رمضان ، ونقص الأموال : الزكاة ، والأنفس : الأمراض ، والثمرات : الأولاد. 
نستبعد أن يكون المقصود بامتحان الناس بالخوف خوف الله، وبالجوع شهر رمضان وبنقص الأموال الزكاة. لأن البلاء بمعنى الامتحان هو امتحان بضيق ينزل على العبد كمسألة وقتية بشر الله الصابرين عليها، أما خوف الله وصيام رمضان ودفع الزكاة فليست من الشدائد "الوقتية" التي يمتحن الله بها الناس، فصيام رمضان ودفع الزكاة واجبان على كل مسلم لا نراها تندرج تحت المسائل التي قصد أن يمتحن الله بها العباد.
المهم أن غايتنا هنا شيء آخر وهو تحديد متى نعد حدثاً ما ابتلاء من الله ومتى نعده تقصيراً من المرء نتج عنه هذا النقص (الجوع ونقص الأموال)؟
لا شك أن هناك أموراً لا خلاف على أنها ابتلاءات من الله ليس للعبد فيها يد مثل موت حبيب أو ابن أو صديق أو زلازل أو فيضانات أو حادث لا ذنب للمرء فيه.
ولكن من الصعب عد كل الأمور ابتلاءات، إذ يندرج بعضها تحت " التقصير من المرء" بالجهل بطرق حل هذه الأمور.
 لنفترض مثلاً أنني أصبت بنقص في المال وعددته امتحاناً من الله، ثم جاءني متخصص في الاقتصاد وأرشدني إلى طريقة الخروج من هذا المأزق الاقتصادي وبالفعل تم علاج هذا النقص في الأموال والذي كان الخوف قد نجم عنه. هل يعد هذا ابتلاء من الله أم تقصير من المرء ونقص في العلم الدنيوي الذي كان من الممكن أن يحل هذا النقص؟
لنفترض أني رسبت في امتحان ما؟ هل هو ابتلاء من الله أم قد يكون تقصيراً من الطالب في المذاكرة أو جهله بطرق المذاكرة وطبيعة الامتحان والأسئلة؟
لنفترض أني لم أرق في وطيفتي؟ هل يعد هذا ابتلاء أم عجزا مني على اتخاذ الوسائل المشروعة التي تعينني على الترقي مثل التعلم المستمر وأخذ دورات تضمن لي الترقي أو إيجاد وظيفة أفضل؟ وهكذا في كثير من الأمور الدنيوية.
حتى الزلازل والبراكين التي تعد من المصائب التي لا يد للمرء فيها، فإنه مع تقدم العلم يمكن التنبؤ بحدوث الكثير منها وبالتالي اتخاذ الاحتياطات المسبقة مثل الابتعاد عن هذه المنطقة أو عدم اتخاذها أماكن للسكنى.
ما أريد أن أصل إليه أن ننتبه للأمور التي يمكن للتفكير العلمي أن يحلها أو التي تكون قابلة للحل مستقبلا وألا نعدها من الابتلاءات الآتية من الله حتى لا يتهم التفكير الذي يتخذ من الدين مرجعاً له بأنه يمثل- من حيث النضج في التفكير- مرحلة سابقة على العلم، فإذا جاءت الحلول العلمية حلت محل الاستسهال الايماني الخاطيء الذي يعد مثل هذه الأحداث ابتلاءات وبالتالي يخرج الناس بنتيجة لا يرضاها- أي مسلم على الأقل- وهي أن التفكير الديني مرحلة سابقة على التفكير العلمي، يرتاح له المرء مؤقتاً إلى أن يأتي التفكير العلمي فيظهر الأسباب الحقيقية لما عددناه ابتلاء والطرق التي كان من الممكن تجنب حدوثه أو طرق تجنب حدوثه مستقبلا ومنه إلى النتيجة الأكثر عمومية وهي أن التفكير العلمي أرقى من التفكير الديني.
الأخطر من مجرد أن يخرج الآخرون بهذه النتيجة عن التفكير الديني، هو أن يسود التبسيط والإحالة إلى الابتلاءات تفكير المسلم في أمور الدنيا وهو المسلم الذي أمره الله تعمير الأرض ولا يمكن تعمير الأرض إلا بأسلوب علمي ومنهج يتجدد مع الوقت مساوقا للتطور العلمي والتكنولوجي المتسارع.

دكتور بهاء درويش مقالات دكتور بهاء درويش متى يكون الحدث ابتلاء؟ الجارديان المصرية
⇧