الإثنين 27 سبتمبر 2021 04:01 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

#بلا_هوية

الدكتورة مارى جرجس رمزى تكتب : رحالة ( البداية )

الدكتورة مارى جرجس رمزى
الدكتورة مارى جرجس رمزى

يقولون أن في السفر سبع فوائد ...هذا ما يُقال عن السفر عبر المكان إلي أماكن وبلدان وقارات وربما قريبا إلي الفضاء....
ولكن ..هل اختبرت يومًا ما السفر والترحال عبر نفوس البشر ..إلي عقولهم وربما أرواحهم المحيطة بنا في كل مكان ؟
هل ارتشفت نشوة الاستبصار ؟
هل تجرعت لذة انفتاح عينك الثالثة ورؤية اللا مرئى بوضوح مذهل ؟

أكاد أجزم أنها ذروة المتع.

كل انسان هو كون مستقل بذاته، كامل متكامل يتشكل من كل شئ ونقيضه كمعطيات طبيعية لمكونات عناصر الوجود في كل الموجودات (بلسان المتشكك )والمخلوقات (بلسان المؤمن )ففيه النور والظلام.. الدفء والبرد ..الجمال والقبح.. الرحمة والقسوة.. الإيثار والأنانية ..المغفرة والانتقام.. الغضب والحلم ..الهدوء والضوضاء.....الخ من النقائص والنقائص

مِزاج مُربك محير ..كل شئ ونقيضه لينتج لنا ملايين المليارات من النماذج البشرية كل نموذج له بصمة خاصة جدا لا يمكن تطابقها مع سواها و علميًا سُميت باسم الدي ان إيه DNA للأجساد المادية

وكما أن للأجساد المادية بصمة لا تتطابق مع غيرها منذ بدء الخليقة وحتي قيام الساعة كذلك كل كيان مكون من روح ونفس وعقل له تلك البصمة الجبارة والتي شكلتها عوامل كثيرة معقدة متشعبة ومتشابكة حتي وصلت بها وبه إلي ذلك المقام الراقي أو العادي أو المتدني
كيانات جميلة وأخري قبيحة ...كيانات نرجسية وأخري سادية كيانات خبيثة وأخري متلاعبة بمن حولها .....
برغم تكرار الصفة السائدة لكن يبقي لكل كيان بصمة خاصة جدًا غير متكررة
وهنا يكمن السر في فردية الخالق وانفراد المخلوق

في بداية اكتسابك لموهبة الرحالة النفسي يبدو الأمر وكأنه لعنة مخيفة وقد حلت عليك ورويدًا رويدًا تتاقلم معها إلي أن تألفها وتتعايش معها بلا ضجر ولا ضيق وسرعان ما تصادقها وتحبها ثم تعشقها وفي النهاية تصير هي درة تاج ملذات الكون بالنسبة لك

كيف يحدث ذلك ؟
لا تتعجب يا صديقي فهل مررت بتجربة تسليط ضوء ساطع مبهر علي عينيك وأنت بداخل غرفة مظلمة حالكة السواد
الوضع مزعج جدًا في بدايته وقد يصيبك بالعمي المؤقت ولكنك ما تلبث أن تهدأ وتتأقلم وتتكيف ثم تألف الوضع الجديد بل تسعد بهذا النور ويصير متعة لك إذ يتيح لك أن تمارس بواسطته مهام حياتك وتحقق في حضوره إنجازاتك وأعمالك علي أكمل وجه كان من المستحيل القيام بها في الظلام المريح

في بداية الاستبصار تنزعج ..تكتئب ..تحزن .. تتألم لأنك تري الحقيقة وليس المشهد المطلوب منك مشاهدته وتصديقه
تري ماوراء هذا الحب المصطنع وهذه الضحكة الخادعة تدرك ماوراء هذا الكلام المعسول وذلك المديح الأجوف
تستشعر زيف هذا الحضن وغش تلك القبلة وهشاشة تلك الوعود وقت الرخاء
تدرك ذلك جيدًا يقينًا مرئيًا ملموسًا بلا ذرة شك ولكنك مطالب باستكمال الدور الذي وضعك فيه من استهان بما تملكه من روحانيات مصحوبة بذكاء وحكمة من قبل الله جعلتك تري اللامرئي وتلمس اللاملموس و تسمع اللامسموع

فترة من التعب أسميها عنق الزجاجة
تشعر فيها أنك- ولأول مرة- لا تعرف لا تفهم لا تثق لا تريد البقاء وأيضًا لا تريد الرحيل تحب الناس لكنك لا تريدهم تحب الحب لكنه يشقيك فكفرت به
لأول مرة تكتشف انك لا تعرف بل لا تريد أن تعرف......

إذًا هي لحظة فارقة كلحظة الولادة لحظة الولوج من عنق الزجاجة أو الانحسار تمامًا داخلها
ماذا يحدث في كل حالة وهل الولوج دائما إلي نفس الاتجاه والمصير

انتظروا الإجابة الخميس المقبل باذن الله