الأحد 21 أبريل 2024 02:50 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

أحمد البدري يكتب : وردية ليلية

الاديب احمد البدرى
الاديب احمد البدرى

غزا جسده وأقتحمه المرض، توسل إلي رؤسائه طالباً البعد عن العمل الليلي لاموه ووبخوه، كلماتهم مزقت روحه أرباً، اتخذ مكاناً قاصياً، فتحت عيونه شلالاتها تملك منه الأنين، لم ينظر إليه أحد وظل منبوذاً؛ فضاقت نفسه بما داخلها، لعن العمل ومن يديره ومن تسبب في استبعاده عن شغل الماكينات وتحويله إلي عامل (بوفيه)، هددوه إن استمر فشكواه وإلحاحه سيلقى به في الشارع، كتم حقده المتأجج داخله واكتفى بعمله الجديد،لام نفسه والمرض لكنه لم يستنكر ما قام به، أصبح الوقت دهراً، كان بين زملائه لا يشعر بمروره ولا بحزنه، فهو بينهم لا يجد فرصة للاختلاء بنفسه أو اقتحام شريط ذكرياته وأنات الألم المسيطرة عليه ولا يحس بمطاردة الوهن له، رغم أنه أقل زملائه إنتاجاً وخاصة لما ذهب نور عينه اليسرى عندما استقرت البرادة المتطايرة من الماكينة فيها، إلا أنه كان سعيداً وهو يسرق بعضا من ضحكات من حكاياتهم التي لم تنته، لكنه الآن يبكي كثيراً لم يعد يشغله الوقت ولا من يتجسس عليه وصورة زوجته الخائنة تجثم على مخيلته الخائبة، وأنات أمه المريضة ترهق مسامعه، كان ينهك نفسه في العمل حتى حدث ما حدث، في أحيان كثيرة فكر في ترك العمل والتفرغ لمراقبة الخائنة وربما خطط لقتلها ولكن أيامه القاسية ومرض والدته لم يرحمه، بعد مدة أحس أنها أفكار حمقاء لا بد من قتلها، والوردية الليلية لم تتخل عنه أبداً.
اهتزازات السيارة المتهالكة تساعد على فوران ما بداخله من هواجس وأزمات، كان يتمنى أن تطول رحلة العودة والكل نائمون حوله وهم يتسابقون في إخراج تلك الأصوات المتداخلة، النغمات المختلطة وما يتمتعون من سكينة تزيد من حقده عليهم، ينظر إلي الأفواه المفتوحة على مصراعيها وتلك العيون المسدلة التي ربما تتراقص داخلها أحلام وردية .
وبعوضة تداعبه ضلت طريقها إليه كلما أمسك بها تهرب .. ترواغه..يهاجمها تسلل وتهرب بعيداً، تعود من جديد وترقص على صدره، يزداد حنقه عليها ..يتمنى أن يسحقها ولن يحاسبه أحد، ينقض عليها يطبق على رقبتها ..
_جاء صوت السائق يفزعه (خلاص وصلنا يا أسطى مظلوم ) تصطدم عيناه بالمقاعد الفارغة ..لا يوجد غيره والسائق لم يشعر بنزولهم، هبط.. أقدامه لا تقوى على حمله، خطواته الثقيلة تهديه إلى دراجته النائمة وحيدة في حضن حائط شيد حديثا، تستقبله بشوق جارف وقد ملت الانتظار،

يأ خذها إليه بحرارة احتواها بعينه، تطاوعه وقد أحست بالأمان أسفله لا يبذل مجهوداً في توجيهها، وقد دثرته الوحدة من جديد، و جسده المرتجف وصوت أنينه المختلط بغنائه يعلو حتى كاد أن يسابق إعصاره الداخلي ..لكن دراجته لم تستجب وقد ضعف حنينها عن ذي قبل؛ ربما لعلمها بعد سويعات سيمتطيها صبية الشارع ...
كعادته يخترق المقابر..ويوقظهم من غفوتهم ، ساده الارتباك ، ازداد خوفه عندما سمع فحيح قادم من خلف أسوار الموتى، نظر إليهم .. نظروا إليه..لم يبالوا، تصبب عرقاً ..أيقن أنه سيكون وليمتهم، لكنه أدرك أنه يمر عليهم يومياً وأنهم مسالمون، عنف نفسه على هذا التفكير، لكن وجود هذا الغريب الذي يلتفون حوله وكأنهم يحتفون به، كان هذا الأسود يسدد سهاماً ناريه من عيونه إلي وجه مظلوم يصاحبها لهاث غريب مخرجاً لسانه بطريقة عجيبة مفصحاً عن أنياب غريبة لم يشاهدها في السابقين، سقط مع دراجته حاول جمع شتات نفسه الممَزقة وبث بعضاً من القوي تعينه على ذلك وتجميع أشلاء دراجته المتناثرة، علا الفحيح من جديد ..تدفق العرق منه شلالات ..أعيته الحيلة للخروج من مأزقه، دارت عيونه الشحيحة النور باحثة عن مساعدة ،خرجت منه حروف متناثرة تجاه صاحب الفحيح والذي تشكل أمامه في حلقات ودوائر متلاحقة، نظر إلى دراجته النائمة في هدوء يعتب عليها ويسألها عن مخرج كأنها معجبة بما هما فيه، نظر إلى حشد الكلاب يتملقهم ..تخيل لو اخترقهم سيفتكون به وخاصة هذا الوافد الجديد الشرس، لم يهديه فكره لشيءٍ تراجع..اقترب منه الثعبان صار في حيز مرماه ..ظل يتراقص أمامه وجسد مظلوم يرتعش بجنون ..رفع رأسه إلى أعلى ..أوشك أن ينقض عليه، زاد خوفه اصطدم مظلوم بحشد الكلاب سقط وسطهم وقد خرت قواه تماما .. علا نباحهم، ترك جسده يتمدد وقد غمره عندما تحلقوا حوله كونوا سياجاً منيعاً من أجسادهم، هاج الثعبان ..هاجمهم ..اشتبكوا معه ..اختفى فحيحه للأبد ..نظر إليه مظلوم وغط في سبات عميق