الأربعاء 22 مايو 2024 08:50 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

المستشار أحمد النجار يكتب : الدكتور فهلاوني

المستشار أحمد النجار
المستشار أحمد النجار

كان الرجل يشغل منصبا وظيفيا مرموقا ..مخصص له سيارة وسائق ويتقاضى راتبا كبيرا ..
محاط بالكثير من المشكلات الأسرية والمرضية ..عندما بلغ الثامنة والخمسين من العمر؛ أصيب بجلطة بالشرايين؛ وبعد أن تماثل للشفاء أصيب بجلطة ثانية ..امتنع عن التدخين ..
تخلفت لديه اعراض ظاهرة؛ منها عدم القدرة على التركيز؛مع بطء فى حركة الكلام؛ وإعاقة ظاهرة فى حركة النصف الطولى الأيمن ..كان لديه امل فى الشفاء الكامل؛ وإصرار عليه ؛
تردد على الكثير من أكابر الأطباء ؛غير أن حالته لم يطرأ عليها ايه جديد ..نصحه أحد أقرانه؛ باللجوء للدكتور (فهلاوني ) ..غير أنه لم يتمكن من التعرف أو الاستدلال عليه ؛رغم ثقافته الواسعة بهذا الخصوص ..وبعد مرور فترة ؛أفاده صديقه ..أن الدكتور متخصص فى العلاج بالحجامة والاعشاب؛ وأنه تمرد على علوم كلية الطب ؛ التى كان يدرس بها واساتذته؛ لقصورهما عن ملاحقة مستواه العلمى ؛فضلا عن الغيرة التى نتجت عن ذلك ..عندما انفرجت اسارير صاحبنا ؛وتجدد لديه امل الشفاء ..عزم على الزيارة ؛شريطة اصطحاب صديقه د سامى أستاذ الفلسفة بالجامعة ..استقلوا ثلاثتهم السيارة؛ يقودها السائق الخاص به ..طعت المسافة حتى القرية التى يقطنها الدكتور فهلاوني فى حوالى ساعة للزحام وضيق الطريق ؛ رغم أن المسافة بينها؛ وبين المدينة كانت لاتجاوز الثلاثين كيلو متر ..على مشارف القرية ؛بادر السائق بالسؤال؛ فأجابه أحد الفلاحين عن الوجهة؛ وكيفية الوصول؛ قبل أن ينتهى من إبداء سؤاله ..توقفت السيارة ؛غادرها السائق للتأكد واستجلاء الأمر ؛وكذا كيفية التعامل مع الموقف ..كان الصمت والحيرة والترقب ؛ يغلبان على المريض وضيفه ؛حال تواجدهما بالسيارة ..كان المنزل ريفيا من طابق واحد ..يقطن فى أحد الشوارع الجانبية بالقرية؛
لاتبدو عليه ايه معالم تنبئ عن قاطنيه.. فلالوحة إرشادية؛ ولا غيرها ؛كما كان لايتواجد أمامه؛ سوى بعض الكلاب؛ التى كانت تستلقى على ظهرها فى سبات عميق؛ ولاتكترث باى من الأشخاص المتواجدين بالمكان ..اتاهما السائق متهللا ..الدكتور فى الانتظار ..
لم يكن صاحبنا قادرا على مغادرة السيارة وحده؛فتساند على مرافقيه؛ اللذان اصطحباه بقيادة السائق ؛إلى إحدى الحجرات ؛ولها باب على الشارع ..عندما دلفا إلى داخلها؛ كان بها امرأتان ؛وشاب ذو مظهر بائس فوق كرسى متحرك متهالك ويرتدى ملابس رثه ..الثلاثة اخذوا يتوجهون بالدعاء للدكتور بمجرد دخول الضيوف إلى تلك الحجرة ..جلس صاحبنا وصاحبه؛ الذى بدت عليه ملامح الضجر والتأفف؛ملوحا للسائق باستعجال الكشف الطبي ..
ثم راح يتأمل مكونات الحجرة؛التى كانت تقتصر على مجموعة من المقاعد الخشبية المستطيلة؛ وكانت جميعها مثبته فى الحوائط؛ بواسطة جنازير واقفال حديدية محكمة الغلق .. عندما حانت لحظة المواجهة ..نهض صاحبنا متكئا على مرافقيه، دلفوا ثلاثتهم إلى حجرة أخرى لمقابلة الطبيب ..بدأ الرجل خلف مكتبه الخشبى العتيق؛ كأنه لوحة سريالية مرسومة لرجل خارج هذاالزمن؛ من اعماق التاريخ ..نهض من مكانه للترحيب ..بينما انشغل الضيف باستعراض مفردات المكان ..اول شئ وقع عليه بصره ؛كان عبارة عن برواز عتيق صغير لرخصة تجارة العطارة ..ثم مجموعة من الارفف بها عبوات مختلفة ومتنوعة لأكياس بلاستيكية وزجاجية؛بها مساحيق اعشاب بنية اللون بدرجاته المختلفة؛ مدون على بعضها اغراض العلاج؛ منها على سبيل المثال؛ علاج السكر والبواسير وأورام الكبد والمخ والقولون ...
باختصار؛ كانت العبوات تحتوى على اعشاب لعلاج جميع انواع الامراض؛ التى لم يكن العلم قد توصل إلى علاجها ..بعد نقاش قصير لم يمنح الطبيب المريض المجال لاستكماله ..بادر بتجهيزه لتلقى العلاج بالحجامة ؛التى كان متخصصا فى إجرائها ؛ مع وعد منه أنه لن يغادر المكان؛سوى بعد أن يستعيد قدرته على الحركة والكلام؛ والاتزان كاملين دون الحاجة للاستعانة بغيره ..لحظات كان المريض قد تحرر من ملابسه الداخلية عدا الجزء السفلى منها ؛
واستدار بظهره فى مواجهة الطبيب ؛الذي كان محرزا لمشرط طبى وكوب ..ثم أخذ يحدث عدة جروح أسفل الرقبه؛ واعقب ذلك بأن ضغط على الكوب بموضع الإصابة ؛وعاود الضغط والحركة؛ ثم رفعها بطريقة ما فسالت قطرات من الدم الداكن ...بادر بإزالة اثاره وتطهيره؛
ثم عاد إلى جلسته خلف المكتب بكل نشوة واستعلاء ؛بينما كان المريض وسائقه يصلحان من الهندام ..حينذاك انشغل الضيف بإدارة الحديث مع الدكتور؛ الذى أخذ يقص عليه فى خيلاء الواثق ... أنه يقتدى بالرسول الكريم فى كل شئ؛ وان الله قد وهبه العلم اللامحدود ؛
وأثناء دراسته بكلية الطب ؛تحداه الأساتذة بدافع الغيرة ؛فترك الدراسة لقصور علومها ؛
و اليقين ..أن الله كما منح الداء فإنه قد منحنا الدواء؛ وان العلم عطية ومنحة من الله لخاصته؛ من عباده من دون اغيارهم ...وأن فى عصمته اربع زوجات تمشيا مع فطرة الرجل ..و..و ..ولم يتركه الضيف طويلا؛ حتى باغته بالسؤال ..عن الأساس العلمى للحجامة ...غير أن الدكتور قد قطب عن حاجبيه ؛ليجيب بضيق واقتصاب ...-دا مش موضوعنا دلوقت ..هوا اكل ولا بحلقه ..النتيجة هتشوفها بعينك ..!بعد لحظات كان المريض يتمتم بعبارات الشكر والامتنان؛ ملتمسا الحصول على كمية من اعشاب علاج مرض السكر ..
نهض الطبيب مباغتا إياه ..قوم أقف على رجليك ...من غير اى مساعدة ..حاول الرجل ولكنه عجز تماما عن الحركة؛ ..تقدم السائق ..منعه الدكتور ..ارتفع صوته زاجرا المريض ..
غير أنه لم يتمكن وسقط أرضا ساكنا الحراك ..افاق بعد لحظات بمساعدة مرافقيه ..حاول النهوض متكئا عليهما ..لم يتمكن ..حملاه (مرابعة) ليتمدد بالمقعد الخلفى للسيارة ..بينما أدار مرافقه معه حديثا؛ولكنه كان من طرف واحد ؛إذ كان قد فقد القدرة على الكلام الذى ينبئ عن ايه معان تماما؛؛ قبل أن يصل إلى منزله...