الأحد 19 مايو 2024 11:53 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور إيهاب بديوى يكتب : خمسة أبواب للجنة

د. إيهاب بديوى
د. إيهاب بديوى

عادة ما ننشغل بالتوافه ونهمل الأشياء المهمة. تمر بحياتنا لحظات فاصلة دائما ما نخسر خياراتنا فيها فيصاحبنا الندم ما تبقى من عمرنا. ارهاصات فكرية تحطم معنوياتنا وتعيث فسادا في رؤيتنا للمستقبل. القطار بالنسبة لي رحلة روحية بين عالمين تفصلني كليا عن الواقع. أحد ابواب الجنة المزعومة في الحقيقة. احاول الاسترخاء ومقاومة كل الافكار السلبية والاندماج في برزخ الأفكار. إذا لم تطاوعني ألجأ للنوم قليلا لإرغام عقلي على الانطفاء حتى يعمل ببعض النشاط بعد ذلك. الباب الثاني هو القابع منذ قرن ونصف بين محطة القطار وبين عالم القاهرة السحري. رغم أنها في الغالب رحلات عمل قد تستهلك اليوم كله. إلا أن ذكريات ليل شارع النيل في الدقي ومغامرات مطلع الشباب التي لا يكفيها مجلدات بلغة الجاحظ وفصاحة المازني ومعقدات الكتب النقدية المترجمة في المغرب العربي والتي أصبحت مقياس ضمني لجودة العمل النقدي خاصة والأدبي عامة. على كل حال تنهال الأفكار وتنهمر الصراعات فور خروجي من الباب الثاني. الحقيقة في السنوات الأخيرة أصبحت المحبطات تزيد بمعدل مضطرد. رغم الانتصارات الكثيرة الصغيرة التي تحفل بها السنوات العشر الأخيرة والتي تكون في المجمل انتصارا كبيرا حقيقيا. لكننا تعودنا على تضخيم السلبيات واحتقار الانتصارات لمقارنتنا غير الموضوعية بمن حولنا. لكل منا تجربته الخاصة التي لا يمكن أن تقارن بغيرها. لكنها حكم العادة على كل حال. عندما ادفع الباب الخشبي القديم لمقهى ريش في ميدان طلعت حرب ينفتح لي باب الجنة الثالث. تختفي كل الضوضاء التي لا تنتهي بداية من ميدان التحرير مرورا بكل تفرعاته التي تغوص في قلب القاهرة القديمة وكل منها يأخذك إلى عالم خاص لا تنتهي أطروحاته. اختار لسبب ما المنضدة رقم 6 التي توافق تاريخ ميلادي. ربما يكون هذا هو السبب الظاهر. شيء ما يمنعني من الاندماج أكثر في التاريخ. تعج المناضد بضيوف من جنسيات محتلفة. لهجة كويتية واضحة. انجليزية قحة تعبر عن انجليز او اسكتلندا. انجليزية امريكية بلكنة لا يمكن تتبعها. شابة محجبة خجولة مع شاب وسيم. احاول الانفصال عن هذا العالم والتعمق في افكاري لعلي أتمكن من التحدث مع احداها. كل الأفكار موجودة. مقولة فلسفية متداولة منذ الحضارات القديمة. من يجيد اصطيادها او غزلها في ثوب حريري ناصع النقاء لا تشوبه السرقات المنتشرة في هذه الأيام. اتعجب لذلك المدعي الذي يشتري بماله محررا أدبيا محترفا يكتب له عملا ما أو يكتب عمله مشاهد متلاحقة من فيلم غربي ما ويسلم عمله لدار نشر محترفة تجيد التعامل مع الجوائز فتعيد صياغة العمل عبر جلسات عمل طويلة تنتهي بدعاية مناسبة ثم تقديمه للجائزة المستهدفة ضامنة مركزا مهما في القوائم او حتى الفوز بها. هذا هو الباب الرابع الذي لم أطرقه بعد إذن. لا زلت أراه بعيدا رغم أنه يلوح لي وانا اتنفس أنفاس الأستاذ في أحد الأماكن التي شهدت نبوغه وتسيده للمشهد الأدبي في الستينات و السبعينات. أحب أن يكون هذا الباب الرابع من حر أفكاري لا تشوبه السرقة أو التساؤلات. هذه عقيدة الأحرار. التقيت صديقا قديما لا تجمعنا الأماكن أبدا. محارب خلف حلمه الكبير. لكنه اكثر تأثرا واستعدادا للتنازل للوصول إلى هدفه. رغم ذلك. ورغم هجرته إلى القاهرة منذ سنوات طويلة. لا يزال صعلوكا من صعاليك الأبواب الخلفية. كل الايواب مغلقة في وجهه. تلك معادلة بالغة الغرابة. هو مبدع لا شك. شاعر لا يشق له غبار. سارد مبدع. عضو في كل الاتحادات. يحضر كل الندوات. ما الذي ينقصه. حتى الباب الرابع حاول الدخول من خلاله. لكنه لم يفلح حتى اليوم. أمر محبط جدا. كرهت لقاءه في الحقيقة. لا أريد شحنات سلبية جديدة. أحاول الصمود يا صديقي. دعني أستمر حتى أصل إلى الباب السحري الخامس. ألح علي ليعرفه. ابتسمت في وجهه محييا صموده ويأسه. تركته يحاسب على ما تناولناه وشربناه بعد أن اخبرني انه في انتظار حسناء تحلم ان تصبح كاتبة. وعندها استعداد للدفع. ستصل إلى الأبواب قبلك يا صديقي. وسألتقيك في المرة القادمة ناقما ثائرا كعادتك. وسأجعلك تدفع ايضا...