الأحد 19 مايو 2024 11:52 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور عادل القليعي يكتب : وما قيمة عقولنا إذا ما غيبتها الخمور.؟!

دكتور عادل القليعي
دكتور عادل القليعي

دعونا نتفق على أمر مهم ، ألا وهو أليس هذا العقل نعمة أنعم بها الإله علينا ، وبما إنه هبة ربانية أليس من الأحرى أن نوظفه في طاعة الله ولا نستعمله في ما يغضبه ؟!
أعرض هذه المسألة على أصحاب العقول الصحية الصحيحة ، وأصحاب الفطر السليمة الفائقة.
أما أصحاب العقول الشاردة الخامرة التي اسكرتها أوهام المحدثات ، أولئك الذين زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوه حسنا، سولت لهم أنفسهم المريضة أنهم بالعقل يستطيعون أن يفعلوا كل شيئ ، وأن يناقشوا كل شيئ وأن يخوضوا في كل شيئ ، ولا يعلمون أن كل كلمة وكل فكرة وكل رأي سيصلون إليه سيسألون عليه مرتين ، مرة لاضلالهم لذواتهم والأخرى لاضلالهم لكل من يستمعون إليهم ويشاهدونهم ويقرأون لهم، أو حتى يتناقشون معهم.
أولئك الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
أولئك الذين أضحى فحشهم واضح وموبقاتهم واضحة عيانا بيانا دون استتار( نعم من أمن العقوبة أساء الأدب) ، فلا رادع يردع هؤلاء وأمثالهم.
خصوصا وإن كانوا هؤلاء محسوبون على أهل الفكر والثقافة وأصحاب الإتجاهات المختلفة.
هذه واحدة.
أما الثانية ، فكل ما سيقدمونه من مواد فكرية لتخريب العقول وتضليل الناس وإفساد المعتقد على العوام البسطاء سيأتي يوم القيامة شاهد عليهم
(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا)، وقوله تعالى (ستكتب شهادتهم ويسألون).
أقول لهؤلاء ومن شايعهم ، هل حقا أنتم أهل علم ، لا أعتقد ذلك ، لأن العلم يهذب صاحبه ، لأن أهل العلم الحقيقيون متواضعون ، خاشعون ، أشد خشية من سواهم لله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، لا يتعالون بعلمهم على أحد ، لا يتنطعون ولا يتكبرون على من وهبهم العقل ووهبهم العلم.
لو أنكم أهل علم لما تطاولتم ، تارة على إنكار معلوم من صحيح الدين ثابت ثبوتا قطعيا لا مراء فيه ولا شك ، قرآنا وسنة ، وليس التشكيك في المعراج منا ببعيد ، وليس التشكيك في أمية النبى منا ببعيد ، وليس العبث بآيات المواريث منا ببعيد. وليس من أنكر منا البعث ببعيد ومن قال برمزية الجنة والنار ليس منا ببعيد ، ومن أنكر الموت ليس منا ببعيد معتنقين فكر أبيقوري يدعوا إلى الإفراط في اللذة وأن الموت والخوف من الإله لا ينبغي أن يسبب قلقا وجوديا للإنسان ، لأن الكون يتكون من ذرات ميتة فليس ثم إله ، وأن الإنسان عند موته تزول عنه حواسه فلن يلاقي الموت أبدا ، وأين السؤال وأين حياة البرزخ وأين الآيات التي أخبرت بكل هذه الأمور ، وأين آيات الجنة والنار ، وأين الميزان وأين الصراط وأين الكوثر وأين الفردوس الأعلى من الجنة ، أليست كل هذه مخبرات أخبرنا عنها الله تعالى في كتابه العزيز.
أنتم لستم معزورون بجلهلكم ، لكنها لا تعمى الأبصار وإنما تعمى القلوب التي فى الصدور.
وتارة التطاول على رسول الله في شخصه ، إن سبا أو قذفا أو رسوم مسيئة لحضرته صلى الله عليه وسلم والطآمة الكبرى أن من يفعل ذلك من المنسوبين للإسلام .
وتارة أخرى على صحابته رضى الله عنهم جميعا ، والخوض في سيرهم والخوض في أعراضهم.
وكذلك الأمر بالنسبة للفقهاء الأربعة أهل الحل والعقد أهل الإجتهاد لم يسلموا من الطعن والتجريح والتشكيك في ما رووه من أحاديث صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن تطاول متنطعا قائلا بتاريخانية النص الديني ، وتلك فكرة خبيثة لا يفكر فيها إلا شيطان مارد ، يريد أن يحصر النص في فترة زمنية محددة ، وما أن نتخطاها يذهب معها النص ويذهب الدين.
لكن في هذه المرة بلغ التطاول مداه ومنتهاه ، طال التطاول الذات العلية ، طال التنطع والتطاول الله جل جلاله (ويحذركم الله نفسه).
الأحبة الكرام ،التطاول على الله والتأله عليه ليس جديدا ، فحدث ذلك عند المجسمة وعند المشبهة وعند المؤلهة الذين أنكروا وجوده تعالى وألهوا الطبيعية ، وعبدوا الحجر والشجر والبقر والنجوم والكواكب والنار.
لكن يظهر الآن من يقول: "لو أجرى الله على نفسه استفتاء وحصل على سيعين في المائة فليحمد ربنا "
ما هذه العقول الخربة العفنة ، ما هذه العقول التي شاخت وهرمت ومردت على النفاق والضلال.
ما هذا الهذيان ، ألهذا الحد صرنا ؟!
من الذي يستفتي ومن المستفى عليه ومن المستفتون ، هل نحن من سنضع الله تعالى محل استفتاء ، سبحان الله العظيم ، هل الله تعالى يستفتى عليه ، يعني يصلح إله أم لا!، هل أدى ما عليه من واجبات تجاهنا أم لا ، ولو كانت النتيجة سبعين بالمائة فليحمد نفسه أنه نجح في الإستفتاء.
أيها المهرطقة ، أيها المأفونون ، فاقدي الوعي ألهذا الحد أزكم الشيطان ، حتى أنساكم أنفسكم وجعلكم تتطاولون على الله.
يبدو أن خمركم هذه المرة مغشوشة ، كشفتكم على حقيقتكم، كشفت وجوهكم العابسة العابثة الكلحة.
ألهذا الحد وصل بكم السفه والعته والإسفاف أن تتطاولوا على الله تعالى.
ماذا تريدون ، أتريدون أن تطفئوا نور الله بأفواهكم ، أبشروا لن تفلحوا ، ولن يفلح الساحر حيث أتي ، أبشروا إن الله منجز وعده ومتم نوره ولو كره المجرمون ، ولو كره الكافرون.
نعم أيها المارقة إن الله بالغ أمره قد جعل لكل شيئ قدرا.
أحبتي ، أعيروني انتباهكم وعقولكم وقلوبكم وأفئدتكم ، أيدكم الله بروح منه ، وأنعم عليكم بنور البصر والبصيرة ، هل الله أعطانا العقل لنوظفه في ما يغضبه ، هل أعطانا هذه النعمة لنكفر بها ، أما أعطانا إياه لنستخدمه في طاعته من خلال العمل الصالح ونشر العلم ونشر الفضيلة ، والبعد عن كل ما هو مرذول مقيت.
أليست الآن حاجاتنا ملحة إلى عقول مستنيرة حقا تعي ما تفكر فيه وتدرك ما تقوله وتتصدي لكل هذه الترهات والخزعبلات.
أليست الآن حاجتنا ملحة إلى شرح وتبسيط صحيح المنقول بحجة سلسة وبسيطة دونما تعقيد حتى يفهمه الجميع.
حقا إنها لرأس الكبر والتي هي نذير للبشر أن تتطالوا على الله جل جلاله وتنزهت ذاته.
نعم صدق فيكم قوله تعالى(اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون عليم).
صدق فيكم قوله تعالى (وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب سينقلبون).
صدق فيكم قوله تعالى (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر)
صدق فيكم قول الشاعر فاروق جويدة، افعل ما شئت ولا تخجل فالكفر مباح**أفعل ما شئت ولا تخجل فالكل مهان.
السيدات والسادة لا تنقادوا خلف هؤلاء المهرطقة، سدنة معابد عقولهم الخربة، أغلقوا في وجوههم أبواب عقولكم ولا تعيروهم اهتمامكم.
وأختتم حديثي بقول رائع لسيدي فريد الدين العطار، أوجهه إلى كل من ظن أنه بعقله يستطيع أن يدرك كل شيئ (فإن العقل أشبه بغربال إذا وضعته فى الماء ثم أخرجته، بماذا سيخرج لا شيئ)، هكذا العقل إذا أقحم نفسه في أمور لا طاقة له بها سيصيبه الخزي والخزلان.

# أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان.