الإثنين 17 يونيو 2024 02:03 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د/إيهاب بديوي يكتب : نَبّاش القُبُور

د/إيهاب بديوي
د/إيهاب بديوي

جلس يتناول طعاما سريعا يقيم به جسده الهزيل قبل مهمته الثقيلة في هذه الليلة القمرية الطويلة. عادة تكون الليالي التي تلي الأعياد صامتة هادئة لا يزعج سكان باطن الأرض فيها سوى خروج القوارض وانتشار القطط وصوت صرصار الليل المزعج..لكنها تكون أنسب الأوقات لجمع ما يمكن جمعه من أكفان وجثث حديثة تناسب الطلب عليها من طلبة الطب والمشعوذين. لا يخاف الليل أبدا. فهو كائن ليلي في الحقيقة. مثل مصاصي الدماء والأموات الأحياء الذين يسمع قصصهم من حكايات الرعب المضحكة التي يرويها بعض شباب المنطقة على المقهى الوحيد القريب من المقابر والذي اشتهر بمقهى العفاريت لكثرة قصص الرعب التي تروى عليه. كان يضحك بصوت منخفض أو يتحول ضحكه المكتوم إلى قهقهة صاخبة لو شاهد المستمعين في حالة رعب من حكاية محبوكة يرويها شخص ما يؤكد لهم أن أحداثها حقيقية. ثم يصعد على مقعد يتوسط المقهى ويصيح بغرور
أنا مردوخ ابن شفلوخ حاكم بلاد الظلام وملك ملوك الليل من يريد حكاياتي يدفع أموالا كثيرة ويكتب وصيته الأخيرة ثم يلاقيني في المقابر الشهيرة عند مقام سيدي حجاب ابن حنتيرة وسيرى ما لا يمكن أن يصدقه من الأشياء المثيرة...
ثم يجلس على مقعده مكملا ضحكه الصاخب متناولا رشفة أخيرة من القهوة السوداء بلا سكر التي يعشقها ويختفي بعدها في ظلام الأرض الفاصلة بين المقابر والمدينة الصغيرة. لم يحاول أحد أن يعرف مهنته. فمظهره يدل على مجذوب أو شحاذ. لم تظهر له عائلة ولا يعرف له أحد بيتا أو أرضا. لكنهم ينادونه السلطان كما يحب دوما. أنهى قهوته السوداء بعد الطعام الخفيف مستمعا إلى تنبيهات من الجالسين أن المطر الليلة غزير سيصاحبه رعد وبرق كثيف ولابد أن يحتموا بشدة كي لا تنقطع بهم السبل. مع بداية القطرات الأولى كان المقهى قد فرغ تماما من رواده. وطلب منه صبي القهوة الخروج لأنه سيغلق على نفسه من الداخل حيث أن المقهى هو بيته في الحقيقة ولا يفارقه ليلا أو نهارا .. خرج السلطان مبتسما. فالمطر يزيد من عزلته ويمنع الجميع من الخروج وهي الأجواء التي تمنحه أريحية في العمل. حدد ثلاثة أهداف سيخرجها الليلة. جثتان حديثتان لشابين توفيا بسبب البلاء الذي أصاب البلاد. وجثة تكمل الليلة أربعين يوما بالتمام يحتاج منها شخص مجهول إلى خصلات الشعر وزوج من الأسنان. والأظافر التي نمت بعد الدفن. توجه ناحية المقابر المتطرفة تحت المطر المنهمر دون أن يهتم أو يخشى صوت الرعد المذهل بعد ضربات الصواعق المتتالية. اختار طريقا تحت الأشجار المتتالية التي تكاد تحف بطول الطريق وشكلت مظلة طبيعية لم يصله سوى رذاذ خفيف لم يجعله يبتل بالكامل. حتى الصاعقة التي قسمت شجرة إلى قسمين وحرقتها حتى منبت الأرض. لم تصله بسوء لأنها سبقته بخطوات كانت كافية ليتفاداها. انتقل سريعا من غطاء الشجر إلى مقبرة الشاب الأول القريبة. استطاع فتح القفل الحديدي والقفز إلى الداخل ليهدأ أخيرا ويلتقط أنفاسه وينثر البلل من على ملابسه بحركات ترددية كالقطط البالغة. كتم أنفاسه كي لا تصيبه أنفاس الجثة بالعدوى وهو يبتسم. الروح قد فرت إلى عالم مجهول. وتبقى الجسد يوزع المرض على من يقترب. أخرجها أخيرا ونقلها إلى محفة أعدها مسبقا في الطرف الآخر للمقبرة بعد أن توقف المطر قليلا فيما يبدو أنها هدنة قبل الدفعة المطرية الجديدة التي تبدو قريبة من أصوات الرعد التي لا تنقطع. أخرج الجثة الأخرى بسرعة وإهمال بسبب موجة ريحية عنيفة صاحبت انهمار الأمطار التالي. فسقطت منه عدة مرات على الأرض وتحول الكفن الأبيض بفعل اختلاط المياه بتراب الأرض إلى اللون البني المتسخ. انقبض قلبه بشدة. لا يجوز إهانة الجثة. حتى لو تم إخراجها. يجب معاملتها كأنها حية. لأول مرة منذ مدة طويلة يتوجس خيفة. علامة غير مبشرة. تراكمت أمامه حكايات لا تنتهي عن الحوادث الغامضة التي تحدث لساكني القبور. لم يهتم لاشتداد المطر وابتلال ملابسه بالكامل. الصفقة على وشك أن تتم وسيرتاح بعدها شهرا على الأقل يصرف من عوائد تسليم المطلوب. لن يجد جسدا بالتأكيد. أربعين يوما كفيلة بتحلل الأنسجة الرئيسية واختفاء معالم الوجه. لكنها لن تغير كل شيء. فتح الباب بصعوبة بسبب تعنت القفل القديم. تبقى معه قفل واحد ولابد أن يكون حريصا عليه. كل الأقفال تتشابه ولن يلاحظ أحد إذا كان قديما أم حديثا. هذا إذا تذكر الأحياء مجرد ذكر من سبقهوهم إلى الحياة الأخرى. إن كان لها وجود في الحقيقة. السلطان لا يؤمن بوجود حياة أخرى. كل الأجساد التي باعها أو انتهكها خلال عمره تخبره أن لا شيء في الجانب الآخر يدافع عن هذه الحياة. حتى عندما اقتحم مقبرة فاخرة حصينة لأغنى رجال الناحية الذي توفي بكرش ضخم ومؤخرة منتفخة. لم يجد سوى عدد ضخم من الديدان تحيط جسده بالكامل دون أن تمنحه فرصة لاغتنام الجثة وبيعها بثمن جيد. كذلك مر عليه جميع الأنواع من رجال الدين والفقراء والأكثر غرورا والشباب والأطفال والنساء. كلهم عاجزون خلف ذلك الرداء الأبيض الذي يكبلهم وكأن لديهم المقدرة على الفرار من مصيرهم. قص الشعر الذي استطال والأظافر الظاهرة بوضوح. وجميع الأسنان ليختار منها الدجال ما يشاء. ثم خرج من المقبرة الأخيرة مرهقا تحت وطأة الأصوات المرعبة للرعد المتواصل والبرق الذي يكاد يضيء الليل من شدته وتواصله. ذهب في اتجاه الجثتين ليتحرك بهما وقد ابتل كليا. فوجىء بعيون كثيرة تظهر بين جذوع الأشجار التي تحيط بالمقابر. وسط دقات قلبه القلقة من تجمع غير مألوف للذئاب بسبب رائحة الجثث الطازجة. واصل سيره في اتجاهه. كما توقع وكذب حدسه. لم يجد الجثث في مكانها. تعب ليلة كاملة واحلام بالراحة المؤقتة قد انتهت تحت وطأة جشع الحيوانات اللعينة. تخرج لتصطاد في هذا الجو السيء. لابد أن فراءها يحميها وجوعها يقوي عزيمتها. انهار على المحفة الموضوعة في أكثر المكان جفافا بين الأشجار. وبدأ يستجمع قواه المنهارة. ويفكر في مضاعفة ثمن الشعر والأظافر من ذلك الدجال الشرير. لكنه يجب أن يكون حذرا من أن يصب عليه لعنة ما أو يسخر له جنيا يعذبه. ابتسم من التفكير الأخير. فهو ابن ليل وعزلة وجوع وفقر ومعاناة تماما مثل الجن. ان كان حقا لهم وجود..قام يستجمع ما تبقى من طاقته ليعود إلى خلوته في نهاية العمار بين الناس والمجهول. لكنه فوجىء بشخصين يقفان أمامه يرتديان ما يشبه الكفن ولا تظهر من ملامحهما سوى نظرة نارية تخترق ذاته حتى أعمق أعماقه. لا يمكن؟ هل من حق الجثث أن تعترض على ما يحدث لها. آلاف الجثث الحية تسير بلا هدف في حياة بلا معنى نحو نهاية مؤكدة لا يهرب منها كائن أرضي. فاجأه أكثر ظهور عيون أخرى متراصة في نظام عجيب . هل من المعقول أن تجتمع كل الجثث التي انتهك خلوتها الليلة لتنتقم منه؟ كيف ينتقم الميت من الحي. يبدو أنه على وشك الإكتشاف..اختلطت أصوات الرعد والمطر مع بريق البرق المتواصل الذي كان يكشف له عن تحول النظرات البيضاء تدريجيا إلى الأحمر الناري. وقف على قدميه بقوة وثبات. تحرك بخطوات هادئة نحو الخلف. لايزال محتفظا بمفتاح القفل الأخير لمقبرة الجثة القديمة. بدون تردد. فتح المقبرة وهو يضحك بتحد للعيون التي تراقبه . أغلق على نفسه وألقى بالمفتاح بعيدا. هدأ كل شيء فجأة. توقف الرعد وانطفأ البرق. ابتسم بلا مبالاة وهو يسمع صوت الجثة القديمة تحدثه..كنت أعلم أنك ستعود...