الثلاثاء 23 يوليو 2024 07:21 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الكبير طارق محمد حسين يكتب : دماء بريئةعلي باب مقبرة

الكاتب الكبير طارق محمد حسين
الكاتب الكبير طارق محمد حسين

تستيقظ مصر كل فترة قد تكون سنة أو عدة سنوات أو حتى عدة أشهر على جريمة قتل ، يكون ضحيتها في الغالب طفل أو طفلة ويكون مرتكب الجريمة الأقارب أو حتى الأب والأم أحيانا، ويتبين من تحريات الشرطة أن السبب في تلك الجرائم البحث المزعوم عن الآثار ويرى البعض أنه عندما "ينتشر الفقر، تنتشر معه كل المصائب والجرائم "، فيما أرجع آخرون السبب وراء مثل هذه الجرائم إلى "الجهل والطمع ويرى أخرون أن "ثقافة القتل والعنف منتشرة في مصر بسبب ما يتم مشاهدته من أفلام ومسلسلات عنيفة، وكذلك بسبب ألعاب الموبايل والفيديو المليئة بالسلاح والقتل"، ودعا آخرون الآباء إلى الانتباه إلى من يخالط أبنائهم، لمنع تكرار هذه الجرائم ، ووفقا لما تم رصده فإن هناك طقوس أصبحت معروفة وخاصة في صعيد مصر وهناك شبه إيمان غير قابل للنقاش بها، أنه عند فتح مقبرة فرعونية في رحلة باتت معروفة
باسم البحث عما يسمي "المساخيط" فلابد من وجود شخص يزعم أنه شيخ متخصص في فك ما يدعي أنه طلاسم فرعونية لفتح المقبرة ،هذا الشخص في معظم الجرائم يتم القبض عليه ويتبين أنه دجال، ومعروف بين الباحثين عن الآثار بـ"شيخ العزيمة" العزيمة تعني قراءة الطلاسم واستحضار الجن المزعوم حارس المقبرة ،يوهم الدجالون والمشعوذون قطاع كبير من المواطنين الحالمين بالثراء السريع، بامتلاكهم خريطة المناطق الأثرية، وتحديد نوع وتاريخ الأثر قبل الحفر، وأنه لاستخراج هذه الكنوز من باطن الأرض فإن عليهم أن يستجيبوا أولًا لطلبات الجن الحارس للمقابر الأثرية، حتى لو كان الطلب هو إزهاق أرواح الأبرياء، وتقديمهم قرابين لفتح هذه المقابر والاستحواذ على ما بداخلها من كثور تساوي ملايين الدولارات. وفي سبيل ذلك يطلب هذا الدجال من اللاهثين وراء الآثار أموالا طائلة وإراقة دماء كقرابين وغالبًا ما تكون دماء طيور أو حيوانات وفي بعض الأحيان يطلب دماء بشرية وخاصة دماء أطفال ، ولأن "الزن على الودان آمر من السحر"، كما يقال فى المثل الشعبي، فإن هناك قطاع من المواطنين وتحديدا فى قرى ونجوع ومدن محافظات الصعيد والوجه البحري، يقتنعون بكلام الدجالين إلى درجة اليقين، ويبدأون فى الحفر داخل منازلهم اعتمادا على الشيخ "الدجال" ورؤيته وقدرته.
وقد تسببت تلك الممارسات في حصد العديد من أرواح الأطفال والكبار، كما أنه بجانب الإقدام على القتل بدعوى تقديم القرابين فهناك العديد ممن فقدو أرواحهم خلال التنقيب عن الآثار بشكل غير مشروع، حيث ينقب كثيرون بدون معدات أو دراسات علمية فينهار الحفر عليهم في عدة حوادث من هذا النوع، ولا يقتصر أمر هذه الحوادث على محافظات بعينها بل إنه يحدث في القاهرة نفسها، كما أنه لا يرتبط بفئة بعينها فقد وصل الأمر لمحاكمة وإدانة رجل أعمال شهير لاشتراكه في شبكة تنقيب عن الآثار بالاشتراك مع نائب برلماني سابق معروف إعلاميا بـ "نائب الجن والعفاريت" لزعمه قدرته على تسخيرهم لفتح المقابر الأثرية ويرى علماء الاثار أن تقديم ما يعرف بالقربان للجن أو الرصد شائع خاصة في صعيد مصر، وذلك بسبب حلم الثراء السريع عن طريق الحفر خلسة للبحث عن الآثار، وأن السبب في هذا بعض الدجالين والمشعوذين أو ما يطلق عليهم الروحانيين أو "شيوخ نصابين" يقومون بإيهام الضحية بوجود كنز أو مقبرة تحت منزله عليها حارس من الجن أو رصد ولابد من تسييل دم بشري حتى يفتح الحارس أو الجن أو الرصد باب المقبرة، وعلميا أن هذا الموضوع ليس له أي أساس من الصحة ولا يرتبط بحضارة مصر القديمة لأن المصري القديم أخفى أماكن الدفن التي تحتوي على الأساس والمتاع الجنائزي بعيداً عن العيون بغرض تأمينها ضد السرقة، لكنه لم يسخر جناً أو رصداً لحراستها والدليل على ذلك المقابر التي تقوم البعثات الأثرية باكتشافها وفتحها من خلال الحفائر العلمية والتنقيب الأثري بدون قرابين أو إراقة دماء"، أن "علاج هذه الظاهرة يتمثل في رفع الوعي لدى الناس وتغليظ العقوبات القانونية ومواجهة النصابين أو من يطلق عليهم الروحانيين والمشعوذين والدجالين. وأن يسلط الإعلام الضوء على هذا الموضوع لرفع الوعي لدى الناس ، فرغم وجود قانون كامل لحماية الآثار في مصر برقم 117 لسنة 1983 والمعدل برقم 91 لسنة 2018 ، كذلك تنص المادة "49" من الدستور المصري على أن "تلتزم الدولة بحماية الآثار والحفاظ عليها ورعاية مناطقها وصيانتها وترميمها واسترداد ما استولي عليه منها وتنظيم التنقيب عنها والإشراف عليه، كما تحظر إهداء أو مبادلة أي شيء منها، وأن الاعتداء عليها والاتجار فيها جريمة لا تسقط بالتقادم" ، كذلك تنص المادة 42 من قانون العقوبات المصري على أنه "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه كل من: سرق أثرًا أو جزءًا من أثر مملوك للدولة أو قام بإخفائه أو اشترك فى شيء من ذلك" ،ويرى بعض خبراء القانون أن العقوبة لم تعد تتلاءم مع جرائم التنقيب عن الآثار بشكلها الحالي وكواليسها التي تشتمل على جرائم تصل للقتل ،ولابد من إعادة النظر في تشديد العقوبات حفاظا علي الثروة القومية من الآثار.