الخميس 8 يناير 2026 06:02 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة الروائية هدى حجاجى احمد تكتب : :أزمة الحقيقة في العصر المعاصر: حين يسبق الضجيجُ المعنى تمهيد

الكاتبة الروائية هدى حجاجى احمد
الكاتبة الروائية هدى حجاجى احمد

لم تعد الحقيقة في العصر المعاصر مفهوماً ثابتاً يُبنى عليه الفهم، بل غدت كائناً هشّاً يتعرّض يومياً للتمزيق وإعادة الصياغة. في زمن السرعة الرقمية، لم يعد السؤال الأهم: ماذا حدث؟ بل: كيف رُوي الحدث؟ ومن يملك سلطة السرد؟ نحن نعيش مرحلة تاريخية فارقة تتراجع فيها القيم المعرفية لصالح قيم التأثير، ويُقاس فيها الوعي بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة.

أولاً: تحوّل الحقيقة من قيمة إلى أداة

في الأزمنة السابقة، كانت الحقيقة غاية تُطلب، أما اليوم فقد تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أداة تُستَخدم. تُستدعى حين تخدم خطاباً، وتُهمَّش حين تعارض مصلحة، وتُعاد صياغتها بما يتناسب مع المزاج العام. هذا التحوّل الخطير جعل الحقيقة نسبية لا بسبب تطوّر الفكر، بل بسبب تراجع الضمير المعرفي.

إن أخطر ما نواجهه ليس الكذب الصريح، بل أنصاف الحقائق؛ تلك التي تُقدَّم بذكاء، وتُغلَّف بلغة مقنعة، فتبدو صادقة وهي في جوهرها مُضلِّلة. هنا، يصبح الوعي مهدداً لا بالقمع، بل بالإغواء.

ثانياً: الإعلام الجديد وسلطة الخوارزميات

مع صعود الإعلام الرقمي، انتقلت سلطة تشكيل الرأي العام من المؤسسات الكبرى إلى الخوارزميات. هذه الخوارزميات لا تعرف الأخلاق، ولا تُفرّق بين حقيقة وزيف؛ معيارها الوحيد هو التفاعل. وهكذا، تُدفَع القضايا الأكثر صخباً إلى الواجهة، بينما تُدفن القضايا الأعمق لأنها لا تثير الانفعال السريع.

في هذا السياق، لم يعد المتلقي بريئاً تماماً، ولا المنتج حراً بالكامل. الجميع محكوم بمنطق السوق: ما لا يُشاهد، لا يُسمَع، وما لا يُثير، لا يعيش. وهنا يُختزل الإنسان إلى رقم، والفكرة إلى محتوى قابل للاستهلاك السريع.

ثالثاً: الإنسان بين فائض المعلومات وفقر الفهم

لم يشهد التاريخ الإنساني وفرة معلوماتية كالتي نشهدها اليوم، ومع ذلك لم يكن الإنسان أكثر ارتباكاً مما هو عليه الآن. هذا التناقض يكشف حقيقة مُقلقة: كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة اتساع المعرفة.

الإنسان المعاصر يتلقّى مئات الأخبار يومياً، دون أن يمتلك الوقت أو الأدوات لتحليلها. تتكدّس الوقائع في الذاكرة، لكنها لا تتحوّل إلى وعي. ومع الوقت، يتشكّل نوع من اللامبالاة؛ فالألم المتكرّر يفقد قدرته على الصدمة، والمأساة المستمرة تُستهلك كما يُستهلك أي محتوى آخر.

رابعاً: تسييس الحقيقة وتشويه المعنى

في المجالين السياسي والاجتماعي، تتعرّض الحقيقة لأقصى درجات التشويه. تُستخدم اللغة لتبرير القتل، ويُعاد تعريف المفاهيم لتجميل العنف، وتُصاغ المصطلحات بعناية لتخفيف وقع الجرائم. لا يُقال: قمع، بل حفظ استقرار. لا يُقال: فقر، بل ظروف اقتصادية. هكذا تُغتال الحقيقة لغوياً قبل أن تُغتال واقعياً.

إن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تُمارَس بالقوة، بل تلك التي تُمارَس عبر اللغة، حين يصبح الظلم مألوفاً، والعدالة مفهوماً ضبابياً قابلاً للتأويل.

خامساً: مسؤولية الفرد في زمن التواطؤ الصامت

في ظل هذا المشهد المعقّد، لا يمكن للفرد أن يتذرّع بالعجز الكامل. فالمشاركة في نشر الزيف، حتى دون قصد، هي شكل من أشكال التواطؤ. الصمت أمام التضليل ليس حياداً، بل انحياز غير معلن.

مسؤولية الفرد تبدأ من السؤال، من الشكّ الصحي، من التحقّق قبل المشاركة، ومن الامتناع عن تحويل الألم الإنساني إلى مادة للفرجة. فالحقيقة لا تحتاج إلى أبطال خارقين، بل إلى ضمائر يقِظة.

سادساً: نحو استعادة المعنى والوعي النقدي

استعادة الحقيقة لا تعني العودة إلى يقينيات مطلقة، بل بناء وعي نقدي قادر على التفريق بين الرأي والمعلومة، وبين الخبر والتحريض. وعيٌ يدرك أن البطء في الفهم فضيلة، وأن التعمّق مقاومة، وأن التفكير فعل شجاعة في زمن القوالب الجاهزة.

نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للقراءة المتأنّية، وللحوار الحقيقي، وللمساحات التي تسمح بالتفكير خارج منطق الترند. فالمعرفة التي لا تُربكنا قليلاً، لا تُغيّرنا كثيراً.

خاتمة

أزمة الحقيقة في العصر المعاصر ليست أزمة معلومات، بل أزمة ضمير ووعي. إنها اختبار يومي لقدرتنا على أن نكون أكثر من مجرد مستهلكين لما يُقدَّم لنا. فإما أن نختار أن نكون شهوداً واعين على زمننا، أو نكتفي بدور المتفرّج في مسرح صاخب بلا معنى.

وفي زمن يعلو فيه الضجيج، يصبح الانحياز للحقيقة فعلاً أخلاقياً، وتغدو حماية المعنى شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة.

الكاتبة الروائية هدى حجاجى احمد :أزمة الحقيقة في العصر المعاصر: حين يسبق الضجيجُ المعنى تمهيد الجارديان المصرية