الخميس 8 يناير 2026 09:30 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور حاتم حسن يكتب : الانهيار احيانأ هو أول اشكال الولاده

دكتور حاتم حسن
دكتور حاتم حسن

ليس كما يُخيَّل لنا.
نحن نتآكل ببطء داخل قوالب جاهزة، صُنعت قبل أن نفتح أعيننا على هذا العالم.
منذ اللحظة الأولى، يبدأ تشكيلنا لا بوصفنا كائنات فريدة، بل كنسخٍ مُعدَّلة من ذاكرةٍ لم نخترها. تُملأ عقولنا بحكاياتٍ قديمة، وتُلقَّن أرواحنا معنى الانتماء على أنه نجاة، بينما هو في حقيقته تدريبٌ مبكر على نسيان الذات.
ما نُسميه عائلة، في جوهره، ليس دائماً ملاذاً…
بل منظومة إعادة إنتاج، تُعيد تدوير الأصوات، وتُخفِت الصرخة الأولى التي خرجت منك نقيّة، كونية، بلا اسم ولا لقب.
أنظر إلى حياتك بصدقٍ جارح...
كم مرة ظننتَ أنك البطل؟ بينما كنت تؤدي دوراً كُتب سلفاً؟
دخلتَ المدرسة لا لتسأل، بل لتصمت.
دخلتَ العمل لا لتُبدع، بل لتتكيّف.
ودخلتَ علاقةً ظننتها حباً، فإذا بها اتفاقٌ غير معلن على الاحتماء المتبادل من فراغٍ لم نجرؤ على مواجهته.
نحن لا نُحب دائماً كما نزعم...
أحياناً نحن فقط نبحث عن كتفٍ نختبئ خلفه من سؤال، من أنا إن تُركتُ وحدي؟
فنقنع بعضنا أن كل شيء بخير، بينما الحقيقة تنزف في صمتٍ مهذّب.
أقسى الحقائق هي هذه...
نحن نخون أنفسنا كل صباح، لا لأننا أشرار، بل لأننا خائفون.
نخاف أن نُسمّى مختلفين، أن نُصنَّف غرباء، أن نُشار إليهم ويُقال...هؤلاء خرجوا عن السطر.
فنُبادل حريتنا بالقبول، ونُغطي فراغ الروح بستار الرضا الاجتماعي، لكن أي سترٍ هذا،
الذي يُخفي جسداً حياً وروحاً منسحبة؟
الانفصال الحقيقي ليس ذاك الذي تخشاه في المحاكم،
بل ذاك الذي حدث بصمتٍ داخلك،
يوم قلتَ أول "نعم" لم تكن نابعة منك،
ويوم قبلتَ أول قيدٍ على عقلك باسم البرّ، أو العادة، أو السلامة.
البيوت ليست دائماً بيوتاً...
بعضها خزائن لأحلامٍ لم تُعش،
وجدرانٌ تحفظ صدى رغباتٍ أُسكتت كي يبقى الشكل متماسكاً.
نحن نعيش في سلطة المألوف،
حيث يُعدّ البحث عن الذات خيانة، والسؤال جريمة،
والاختلاف تهديداً.
لكنني أقول لك يا انسان بهدوء الواثق
النبذ ليس نهاية، بل بداية تطهير.
والقطيعة ليست خسارة، بل جسر عبور نحو كينونتكم.
إلى متى ستبقى تستجدي حباً من منظومة لم ترَك يوماً؟
إلى متى ستعيش كجنازة مؤجلة، فقط كي لا نُقلق الأحياء؟
التحوّل الحقيقي لا يأتي من السماء
بل من تلك اللحظة الصادقة أمام المرآة
حين تقول بلا خوف
هذا الذي أراه ليس أنا… ولن أكونه بعد الآن
النجاة تبدأ حين ترفض النسخ،
وتكسر صنم العادة
وتصمت عن الضجيج الخارجي،
لتسمع ذلك الوجع العميق في صدرك…
ذاك ليس ألماً، تلك ذاتك
التي دُفنت حيّة،
وما زالت تؤمن أن الوقت
لم يفت بعد....حتى لو أُثبت بنهيار
فالانهيار أحياناً هو أول أشكال الولادة

دكتور حاتم حس الانهيار احيانأ هو أول اشكال الولاده الجارديان المصرية