الأربعاء 14 يناير 2026 10:08 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. نهال أحمد يوسف تكتب : إيقاعنا أسواني

 د.نهال  أحمد يوسف
د.نهال أحمد يوسف

كثرت الحكايات التي يرويها كل زائر لأسوان، وكأن هذه الأرض تمتلك تعويذة خفية. زرتها مرات عديدة، وفي كل مرة كنت أعود مأخوذة بما يأخذ السائحين: عظمة المعابد وهدوء النيل. لكن زيارتي الأخيرة كانت مختلفة؛ لم أسمع صمت المعابد هذه المرة، وإنما علا في أذني "الإيقاع".
هو ليس إيقاع الدفوف المشهور، بقدر ما هو سيمفونية يومية؛ صوت تكسر مجاديف المراكب الصغيرة لصفحة النيل في الفجر، همهمات البيع والشراء في الأسواق المحلية بلهجات تمتزج فيها العربية بالنوبية، وحتى صمت الصحراء حين يعانق خضرة الجزر. هذا التناغم الصوتي جعلني أدرك أن التاريخ هنا ليس ماضياً قد ولى، بل هو فعل مضارع مستمر.
في العادة، تدهشنا الحضارة في "فيلة" و"أبو سمبل"، ونقف أمام الأثر مبهورين. لكن في غمرة هذا الانبهار، قد نغفل عن المعجزة الحقيقية وهي البشر. أنا لا أدعي أنني مؤرخة تعيد قراءة التاريخ، ولا عالمة آثار تنقب في الرمال، لكنني مصرية تبحث عن ذاتها في زمن بدأنا نفقد فيه ملامحنا.
في أسوان، يتجاوز الأمر المجتمع النوبي بخصوصيته ليمتد إلى الروح المصرية العامة هناك. استوقفتني ملاحظة بصرية مذهلة؛ فبينما كنت أتأمل في مظهر الفتيات في الشوارع أو الفندق، وفي ملامح الشباب والرجال، شعرت لوهلة أنهم قد خرجوا لتوهم من جداريات المعابد القديمة. العيون السوداء العميقة، وتضاريس عظام الوجوه، وكأن تلك النقوش الخالدة قد دبت فيها الروح، فتركت الجدار ونزلت لتمشي بيننا. فالأمر أكثر من مجرد تشابه شكلي؛ إنه يبدو استنساخاً حياً للتاريخ يؤكد أن السلالة لم تنقطع.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ ففي مدننا الشمالية وفي الدلتا، حيث طغت الحداثة، ربما بدأنا نتوه ونفقد هويتنا البصرية والروحية. لقد أصبح النيل في القاهرة والدلتا مجرد "منظر" نطل عليه من خلف زجاج السيارات أو شرفات المقاهي، وانفصلنا عنه جسدياً وروحياً. أما في أسوان، فالنيل ليس مشهداً، وإنما هو شريك حياة؛ تتحرك حياتهم فوق صفحته. هذه العلاقة العضوية المباشرة مع الأرض والنهر هي ما حفظ لهم توازنهم النفسي.
غالباً ما يعني التطور في الشمال طمس الهوية، أما في أسوان، فالمجتمع يقدم بذكاء نموذجاً تنموياً مختلفاً. رأيت شباباً يستخدمون أحدث التطبيقات لإجراء عمليات الشراء اليومية، ويتحدثون لغات العالم بطلاقة مع السائحين، لكنهم في الوقت ذاته يرتدون جلاليبهم التقليدية بفخر، ويحفظون أغاني الأجداد. يطورون من أدواتهم لتتماشى مع العصر، دون أن يتنازلوا قيد أنملة عن أصالتهم.
هذا الثبات يعيدنا لرمزية الأرض نفسها؛ فأسوان هي منبع "الجرانيت" الذي شُيدت منه مسلات مصر وتماثيلها. وكما قاوم جرانيت أسوان عوامل الزمن لآلاف السنين، قاوم "البشر" هناك عوامل التعرية الثقافية. هم "الجرانيت البشري" الذي حفظ شيفرة الهوية المصرية.
إذا أردنا أن نعرف كيف كان يبدو المصري القديم حقاً، لا ينبغي أن نكتفي بالنظر إلى الأثر الصامت، بل علينا أن نتأمل في هذا المجتمع الحي. تلك الوجوه السمراء التي لم تغيرها القرون، والروح التي احتفظت بصلابتها رغم تعاقب الغزاة والزوار. فالحضارة التي بدأت شرارتها الأولى من الجنوب ووحدت القطرين، لا تزال جمرتها متقدة في صدور أحفادهم.
إن ما نشعر به نحن – القادمين من الدلتا والشمال – من "حميمية" فورية في أسوان، ليس مجرد راحة نفسية عابرة، إنما هو في الحقيقة "حنين بيولوجي" للأصل. شعور الابنة التي عادت لبيت أبيها فوجدت ملامحها فيهم. كيف يمكن تفسير هذا القرب والأمان، إلا إذا كان التاريخ يتدفق في عروقهم حياً كما يتدفق النيل أمام بيوتهم؟
الهوية المصرية في أسوان ليست مجرد "طيبة" كما نصفها عادة، وإنما هي "أصالة" صمدت أمام الزمن. إنها الدليل الحي على أن الحضارة المصرية لم تكن مجرد مرحلة وانتهت، بل هي كائن حي يتنفس، بدأ من الجنوب، ولا يزال قلبه ينبض هناك بإيقاع يرفض أن يضيع.

د. نهال أحمد يوسف إيقاعنا أسواني الجارديان المصرية