الأحد 1 مارس 2026 09:03 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد تكتب :نصفُ وشاحٍ في ساحةِ الحرب

الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد
الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد

لم تبدأ الحرب حين سقط أول صاروخ، بدأت قبل ذلك بكثير، حين شعرتُ أن شيئًا في داخلي ينقسم دون صوت. كنتُ أجلس على حافة السرير أراقب الضوء يتسلل من شقّ الستارة، والمدينة ما تزال تمارس صباحها العادي؛ خبزٌ ساخن في المخبز المقابل، قطط تتشاجر فوق الحاويات، وأنا ما بين نصفٍ ضائع وآخر لم ينبُت بعد. حين دوّى الانفجار الأول لم أركض، وضعتُ يدي على صدري كأنني أتحسس موضع نزيف خفي، لم يكن الدم ظاهرًا، لكنه كان يسيل داخلي ببطء، يبحث عن اسمك.
بدأت الحرب، وأنتِ إلى الآن لم تأتي. كان ينبغي أن أصل إليكِ قبل أن تُغلق الطرق، قبل أن يتحول صوت الهاتف إلى صدى بعيد، لكن المسافات في الحروب لا تُقاس بالكيلومترات، تُقاس بالخوف. قلتُ لنفسي لا يهم، سأرسل لكِ تحيتي بصاروخٍ فرط صوتي، لا ليصيبك، بل ليصل إليك قبل أن تموت الكلمات في الطريق. صوتي له رصاصٌ رحب، لكنه لا يقتل، يفتح فقط ثغرة في الصمت. وأنا كلّي لعيناه بندقية مشدودة الزناد على لحظة لقاء.
في المساء انقطعت الكهرباء، وغرقت المدينة في عتمة كثيفة لا يقطعها سوى وميض بعيد. تخيلتُ الموت يعبر الممر بثقة صاحب البيت، يتفحص الجدران ويجلس على الكرسي الذي كنتِ تحبينه. لم أصرخ، قلتُ له بهدوء: ليس اليوم. كنتُ أرفع داخلي راية بيضاء صغيرة، هدنة بيني وبين خوفي، وأردد: تعالي نصفين ونكتمل.
عند الفجر خفّت الانفجارات قليلًا، وسمعتُ جلبة في الشارع. هذه المرة كان الصوت قريبًا، قريبًا بما يكفي ليهزّ عظامي. سقط شيء ثقيل أمام البيت، تبعته صرخات وركض وأسماء تتكسر في الهواء. لا أعرف كيف خرجتُ، قدماي تحركتا وحدهما كأن جسدي يعرف الحقيقة قبلي. كانت هناك حفرة صغيرة في الأسفلت يتصاعد منها دخان خفيف، والزجاج متناثر حولها كنجوم سقطت من سماء معتمة. وسط الركام رأيتُ قطعة قماش.
انحنيتُ.
كان نصف وشاحكِ الأزرق، الذي كنتِ تقولين إنه لا يليق بالحروب. كان مشقوقًا من المنتصف، مبتلًا، وثقيلًا. حين رفعته، رأيتُ وجهكِ تحته. هادئًا بشكل مفزع، كأنكِ نمتِ أخيرًا بعد انتظار طويل. لم أصرخ. لم أنهَر. فقط شعرتُ بأن النصف الذي لم ينبُت داخلي قد دُفن معكِ في اللحظة نفسها.
تذكرتُ عبارتي: تعالي نصفين ونكتمل. لكن الحرب سبقتنا إلى الاكتمال. أكملتكِ بالموت، وتركتني نصفًا يحمل نصف وشاح في ساحةٍ مفتوحة على السماء. رفعتُ رأسي ولم أطلب سلامًا، ولم أطلب انتقامًا. فهمتُ أخيرًا أن الحرب لا تنتصر، هي فقط تختار من سيبقى حيًا ليحمل الخسارة.
بدأت الحرب، وفي تلك اللحظة بدأتُ أنا أتعلم كيف أعيش بنصف قلب، ونصف وداع، ونصف وطن.

هدى حجاجى أحمد نصفُ وشاحٍ في ساحةِ الحرب الجارديان المصرية